في تحريها لأسباب ما اعتبرته كراهية شعبية عربية وإسلامية لأميركا، انتصرت إدارة الرئيس جورج بوش الابن للرأي القائل بأن هذه الظاهرة تعود إما لخصائص أصيلة في الثقافة العربية تنحو للنفور من الآخر المختلف، وإما لغيرة وحسد فائضين من السبق الحضاري الغربي عموما والأميركي بخاصة، وإما إلى فجوة معرفية وسوء فهم ينبغي مغالبتهما بمزيد من التواصل الإدراكي وتصحيح الصورة النمطية للولايات المتحدة.
بناءً على هذا التقدير، لفظت هذه الإدارة بقية الآراء والتفسيرات المغايرة، لاسيما تلك التي تؤثر إحالة الغضب الشعبوي العربي والإسلامي إلى الأبعاد العدوانية في السياسات والمواقف الأميركية المنظورة تجاه قضايا عربية وإسلامية ساخنة.
والواقع أن هذا الموقف المعاكس، ولعله المعاند المتجاهل، للأسباب التي يطرحها أصحاب الشأن أنفسهم من العرب والمسلمين بكل شفافية وصراحة يبدو مثيرا للحفيظة.. فهو يفترض أولا أن فقهاء واشنطن وساستها من المحافظين القدامى والجدد أدرى بما يحفز هؤلاء العرب والمسلمين على حب الآخرين أو كراهيتهم !
. ويفترض ثانيا أن نوازع الود والتعاطف أو البغض والكراهية تعتمل في وجدانات الشعوب والأمم وعقولها الجمعية بمعزل عن السياسات والمواقف الملموسة في رحاب العلاقات الدولية.. وهذان افتراضان لا يمكن تسويغهما منطقيا أو موضوعيا.
المهم، أن تبلد الإدارة الأميركية وتخندقها خلف تفسيرها اللاواقعي ساقها لابتداع ما تصورته علاجا ناجعا لتبييض صفحتها وغسيل سياساتها العربية والإسلامية.. ألا وهو إنشاء ما يسمى بإدارة «الدبلوماسية العامة» كفرع ملحق بوزارة الخارجية يرأسه مسؤول كبير بدرجة نائب وزير. كارين هيوز هي أول من تبوأ هذا المنصب منذ قرابة العامين.
وللإنصاف، فإن هذه السيدة بذلت جهودا جبارة في أداء مهمتها بحماسة ظاهرة. إذ طافت بعواصم عربية وإسلامية كثيرة، واتصلت بقطاعات وقوى رسمية وشعبية لا حصر لها عامدة، مع فريق من محترفي العلاقات العامة والدعاية والإعلام والحرب النفسية، إلى تزويق السياسات والمواقف الأميركية وتلميعها وتدثيرها بالمسوح الأخلاقية والإنسانية، ثمَّ تسويقها وبيعها للرأي العام..
ولكن لأن الوقائع الملموسة وتجلياتها عتى الأرض، التي تؤكد اعوجاج السياسات الأميركية العربية والإسلامية وتنكبها عن جادة القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان والشعوب ومشتقاتها، كانت دوما أصدق أنباء من دبلوماسية هيوز العامة، فقد واجهت هذه المسؤولة المجتهدة وصحبها صدودًا مستمرًا وفشلاً ذريعًا.
نفهم هذا من مؤشرات كثيرة بما فيها استقصاءات الرأي الأميركية التي تابعت هذه المهمة، وشهدت مرارا بأن شيئا لم يتغير في صورة الولايات المتحدة الخارجية، بل وإن هذه الصورة تمضي قدما، بمرور الوقت وبالنظر لعكوف واشنطن على السياسات ذاتها، إلى مزيد من التدهور والتفاقم.
كارين هيوز ليست من الهواة، ولابد أنها تعلم يقينا إنه ليس بالإعلام والدعاية وتطييب الخواطر وحدها تصلح صورة واشنطن في عالم يشكو على مدار الساعة من مواقفها الاستقوائية. ومع أنها حرصت طويلا على ترقيع هذه المواقف وتزيينها، إلا أنها جنحت أخيرا إلى احترام عقولنا، فخرجت علينا ببعض مكنوناتها..
وفي لحظة صدق مع النفس ذكرت أمام جمع صحفي في معهد العالم العربي في باريس إن «على الإدارة الأميركية بذل جهود كبرى من أجل صدقيتها في العالم العربي !»
ويبدو أن إخلاص هيوز لوظيفتها ولحكومتها ورؤسائها لم يسمح لها بالاستفاضة في توضيح المطلوب من واشنطن على طريق تعزيز الصدقية التي تشير إليها.. غير أنها ردفت إيماءاتها إلى قصور السياسة الأميركية العملية بما يوحي بهذا المطلوب عندما قالت«علينا أن نتعلم من فرنسا التي لها تاريخ وموقع في العالم العربي، كما لديها فهما لهذا العالم وروابط قديمة معه..».
واجتهادا نستطيع أن نفسر هذه العبارة بأن هيوز تود لو أن حكومتها استلهمت حكمة التاريخ الفرنسي الممتد مع العرب.. التي مفادها ضرورة الإقلاع عن الممارسات العدوانية والسلوك الاستفزازي والاستعماري الامبريالي كشرط مسبق لتحسين الصورة الأميركية وتدفق التفاعل التعاوني البناء مع العرب، وصولا إلى الحصول على موطئ قدم ومكانة معتبرة عندهم.
نحسب في كل حال أن إخفاق هيوز،التى تشبه شعراء البلاط فى العصور الوسطى، أفضل شاهد عيان أميركي على سخافة الاكتفاء بالأدوات الدعائية كسبيل لتحسين الصورة الأميركية في الوجدان العربي، ومع ذلك فإنه يصعب التكهن بمدى تأثير هذه الشهادة على نخبة صناع القرار في واشنطن.
لكن تجاربنا مع هذه النخبة لا تبشر ولا تعد بتحولات إيجابية ذات بال في أنماط المقاربات والسياسات المتبعة إزاء القضايا العربية. تجاربنا ومتابعاتنا تقول بأن إدارة بوش تتعامل مع هذه القضايا وهي محفوفة بإيديولوجيتها المتأثرة بالفكرة الصهيونية وخطابها اللاهوتي المطعم بالتهويمات الأسطورية. ولذا، ثمة مجال للاعتقاد بأن نصائح هيوز وأمثالها غالبا ما لا تلقى آذانا صاغية ولا تشق طريقها إلى بصيرة المتنفذين في هذه الإدارة.
هذا يعني في التحليل الأخير، أن العرب قد يعيشون تحت السياسات الأميركية الراهنة الى نهاية ولاية بوش الثانية على أقل تقدير، وأنه إذا ما أقدمت هيوز على زيادة جرعة المكاشفة بشأن فشل دبلوماسيتها العامة، فربما ينتهي بها الأمر إلى العزل أو الإقالة.. وعلى من يشكك في هذا التقدير أن يتذكر مصير كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق.
كاتب وأكاديمي فلسطيني