مرور 33 عاما على انتصار أكتوبر المجيد مثل فرصة رائعة لألعاب ذهنية، فحتى اليوم لا يزال الخلاف والجدل مشتعلا حول الزعيم التاريخي لمصر جمال عبد الناصر وخلفه الراحل أنور السادات.
ورغم العداوة الظاهرة لصاحب قرار العبور وسط النخبة المثقفة لخطواته التي تلت انتصار الجيش المصري وعلى رأسها الانفتاح الاقتصادي وتوقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل..
إلا أن استمرار جلد الرجل بعد ربع قرن على رحيله يستند إلى أحد أمرين، الأول أننا لا نزال نعيش بنفس آمالنا وطموحاتنا التي كنا نعيشها أواخر الستينات رغم الهزيمة المرة التي لم تفلح في كسر عزيمة المصريين، وكسرها فيما بعد صلح السادات، وإذا ما اعتمدنا هذا السبب لنقد السادات نكون كمن يعيش حال فصام، فالعالم كله حولنا تغير وليس منطقيا أن نحاكم الحاضر بمعطيات أربعين عاما مضت.
الشيء الثاني الذي يمكن أن يستند إليه نقاد السادات هو إسقاط الفترة التي بعده من المقارنة، فنحن بوعي أو دون وعي لا نقارن فترة السادات بفترة خلفه وإنما بفترة سلفه، وإسقاط عقدين ونصف من الحساب ينطوي إما على نوع من الجبن حيث لا يريد أحد محاسبة النظام الحالي وأركانه موجودون على قيد الحياة.
وإما على نوع من اعتبار أن ربع القرن الذي مضى بدا كله وكأنه فترة انتقالية بين حكم رئيسين، وحتى لو اعتبرناها كذلك يجب أن نقول لأن في قولنا رداً لاعتبار زعيم مصري أخطأ وأصاب وراهن على الشعب ثم انقلب رهانه على الخارج، وتواضع ثم تكبر وكان سيئ النية وسيئ الطوية في آن.
في النهاية كنا إزاء زعيم نتفق أو نختلف على تقييم تصرفاته لكن لا أحد فينا ينكر كونه زعيما وصاحب قرار، ومع أنني لا أحب الاستشهاد بمسؤولين إسرائيليين باعتبارهم أعداء لا تخلو وجهات نظرهم من حاجة في نفس يعقوب إلا أن بعض أقاويلهم تبدو وكأنها الصواب بعينه.
فخلال الأسبوع الماضي نشر موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية تقريرا حول أوضاع النظام والاقتصاد والسياسة في مصر بعد مرور 25 عاما على مقتل السادات استند فيه إلى رأي سفيرين سابقين في القاهرة هما تسفي مزال وإيلي شاكيد، وربما يكون شاكيد قد نجح في تشخيص الوضع القائم في مصر على امتداد 25 عاما بقوله:
«لو ورث مبارك الرئيس عبد الناصر في العام 1970 فما كانت لتندلع حرب 1973، وما كان بإمكانه أن يزور القدس أو يوقع على اتفاق سلام مع إسرائيل». فالرئيس مبارك حسب رأيه أثبت خلال ربع قرن أن الشيء الوحيد الذي يفعله هو الركض الموضعي أو التحرك إلى الخلف. بالطبع فإن عين السفير الصهيوني على العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، ولو اقتصر الأمر على ذلك لكان الركض الموضعي هذا حسنة تحسب للرئيس وعهده.
لو افترضنا أن الرئيس السادات عاش حتى اليوم ولم يتم اغتياله ظهيرة السادس من اكتوبر 1981، ماهو الوضع المتخيل الذي كان يمكن أن نكون عليه ؟ هناك عده سيناريوهات الأول أن يتعلم السادات من أخطائه ويدرك أن الرهان على الخارج نوع من العبث، وهو ما كان بدأ يحس به في أخريات أيامه، ومن ثم ينصرف إلى بناء تجربه ديمقراطية واقتصادية في مصر تعيد لها العافية بعد عقود من الحروب.
ويلتفت إلى الفساد فيكافحه ويعيد بناء الحزب الوطني الذي أقيم عبر هرولة المستفيدين إلى الحزب الحاكم في كل زمان ومكان، السيناريو الثاني كان أن يستمر في الرهان على الولايات المتحدة ولكن بطريقة تضع مصالح مصر الوطنية والقومية في المقام الأول، فيتحول إلى شاه جديد في المنطقة ويكمل ما بدأه في كامب ديفيد، فيستعيد الضفة وغزة بنفس شروط سيناء.
وربما كان زايد على الدور الإسرائيلي في حرب أميركا ضد الإرهاب، فأرسل الجيش ليقاتل في أفغانستان ويشارك في احتلال العراق، لكن بثمن اقتصادي يجعل المصريين يقبلون بسياساته ويرتضونها رغم مجافاتها لتصوراتهم باعتباره رجلا يصنع نهضة وتنمية عبر منهج خاص.
أما السيناريو الثالث، فكان أن يتخذ الرجل المنهج الصيني فيركز على بناء علاقات ندية مع الخارج ويبني تنمية في الداخل، ويلغي في الوقت نفسه معاهدة كامب ديفيد ويعود للعرب معترفا بخطئه كخطوة أولى لبناء حد أدنى من التوحد العربي تجاه القضايا المصيرية. في أسوأ الأحوال لم تكن مصر لترتكس إلى الوضع الذي ارتكست إليه.
magdishendi@hotmail.com