الأزمة الحادة الجارية بين روسيا وجارتها السوفييتية السابقة جورجيا تكشف عن أشياء كثيرة ومؤشرات واضحة لحرب باردة جديدة بين موسكو وواشنطن، ومنذ وصول الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي للحكم في جورجيا على أكتاف «الثورة الوردية» التي وقعت هناك في نوفمبر عام 2003 وهو لم يتوان عن مهاجمة روسيا وتوجيه الانتقادات الحادة لها بمناسبة وبدون مناسبة، على الرغم من أن سلفه الرئيس السابق إدوارد شيفرنادزه لم يكن صديقا لروسيا بل كان على خلافات معها،
ولكن شيفرنادزه كان عاقلا ودبلوماسيا في التعامل مع روسيا لأنه كان يعلم أنها الجارة القوية عسكريا واقتصاديا، وأن الاقتصاد الجورجي يعتمد بنسبة 60% على روسيا التي تستقبل وحدها أكثر من 60% من صادرات جورجيا من الخمور والمياه المعدنية والفواكه والمحاصيل الزراعية،
كما أن هناك نحو مليون ونصف مواطن جورجي يعملون في روسيا وهذا العدد يشكل ما يقرب من ثلث عدد مواطني جورجيا البالغ نحو خمسة ملايين نسمة، ويقوم هؤلاء سنويا بتحويل أموال لجورجيا تقدر بأكثر من مليار دولار، أي ما يعادل ما يقرب من 10% من دخل جورجيا القومي، هذا إلى جانب اعتماد جورجيا الكامل في الطاقة على روسيا.
كل هذا يعلمه قائد الثورة الوردية سكاشفيلي حليف واشنطن ومع هذا لا يتوانى عن التحرش بروسيا ومحاولة إثارتها واستفزازها، وكان آخر محاولاته هذه اعتقال أجهزة أمنه في أواخر سبتمبر الماضي لأربعة ضباط يعملون في القوات الروسية الموجودة على أراضي جورجيا بهدف حفظ السلام بين جورجيا وإقليمي أبخازيا و أوسيتيا الشمالية المستقلين عن جورجيا والساعين للحصول على اعتراف دولي باستقلالهم وتدعمهم موسكو سياسيا منذ عام 1998.
ولكن لماذا يتحرش سكاشفيلي بموسكو ويستفزها وهو يعلم مدى ارتباط اقتصاد بلاده بها ومدى قوتها وقدراتها العسكرية ونفوذها السياسي في منطقة الاتحاد السوفييتي السابق؟ للإجابة على هذا السؤال نعود لحديث للرئيس الجورجي السابق شيفرنادزه الذي عزلته الثورة الوردية بقيادة سكاشفيلي في نوفمبر 2003، أدلى شيفرنادزه بعد عزله بحديث لصحيفة «ديللي تليغراف» البريطانية في فبراير 2004 قال فيه «لقد خذلوني الأميركان بعد كل ما قدمته لهم وما فعلته من أجلهم، لم أرفض لهم طلب،
وأحضرت ضباطهم العسكريين ليدربوا الجيش الجورجي، وأثناء الانقلاب الوردي كان السفير الأميركي يقف وسط المتظاهرين ضدي في الميدان يدعمهم ويؤيدهم»، وسأل الصحافي شيفرنادزه «ربما كانوا يريدون منك شيئا ولم تفعله؟»، ورد شيفرنادزه قائلا: «نعم كانوا يريدون مني أن أتحرش بروسيا وأستفزها، وهذا شيء مستحيل، هل يريدون مني أن أضع رأسي في فم الأسد؟».
حديث شيفرنادزه هذا يثير التساؤلات وعلامات الاستفهام الكثيرة حول تصرفات نظام سكاشفيلي تجاه روسيا، وهي التصرفات التي لا يختلف اثنان على أنها ستجلب لجورجيا أضرارا ومشاكل كثيرة لا طاقة لها بها، وليس أدل على ذلك من تحذير المنسق الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا للرئيس سكاشفيلي من تصعيد الأزمة مع روسيا وتحذير الأمين العام كوفي عنان له،
وما كتبته صحيفة التايمز البريطانية في الرابع من أكتوبر تحذر فيه جورجيا من التحرش بروسيا وإثارة غضبها وتقول للرئيس سكاشفيلي «لا تصدق أن أحدا في الغرب سيقف بجانبك ضد روسيا وستدفع الثمن وحدك». إذا عرف السبب بطل العجب، نعم.. الرئيس سكاشفيلي الذي تلقى تعليمه العالي في الولايات المتحدة وخاض دورة إعداد قادة في المعهد الجمهوري في واشنطن،
وذلك باعتراف الرئيس بوش نفسه الذي وجه الشكر للمعهد على إعداده لقادة الثورة الوردية في جورجيا، سكاشفيلي تلقى قبل إلقائه القبض على الضباط الروس الأربعة بأيام قليلة منحة من الكونغرس الأميركي قدرها عشرة ملايين دولار قيل إنها لدعم الديمقراطية في جورجيا،
إلا أنه على ما يبدو أن المقصود بالديمقراطية هناك هو سكاشفيلي ورفاقه الورديين، أما الشعب الجورجي نفسه فلن يقبل إطلاقا التحرش بالجارة الأم روسيا التي ارتبط بها تاريخيا لعدة قرون والتي يعتمد عليها الآن في كل شيء، بينما القادة الورديون مستعدون لكل شيء في سبيل الورق الأخضر حتى لو وضعوا بلادهم في فم الأسد كما قال الرئيس السابق شيفرنادزه.
elmoghazy@hotmail.com