عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، سارعت حكومات دول الفراغ السوفييتي لتشكيل إطار جديد ينظم العلاقات فيما بينها، بعد سنوات الفوضى الأولى في بداية التسعينات أدركت هذه الدول أن الانفصال الكامل في العلاقات بينها وبين روسيا ليس مجرد قرار سياسي، يمكن تطبيقه فورا، وبات واضحا أن تداخل الصلات الاقتصادية والاجتماعي، يتطلب العمل بشكل واعٍ من أجل أعادة صياغة هذه العلاقات بشكل يحترم استقلالية وسيادة كافة الأطراف، ويحمي في الوقت نفسه مصالحها، ويبعد خطر الأزمات الاقتصادية الناجمة عن تفكك الاتحاد السوفييتي.
ولا يقتصر الأمر على تراكيب البنى التحتية لهذه البلدان والتي أسست وفق العقيدة السوفييتية، وإنما يتعداه لمجالات الطاقة والتصنيع، وهي المجالات التي تشكل العمود الفقري لاقتصادات أي بلد يسعى للاستقلال.
وقد اعتبر الرئيس فلاديمير بوتين رابطة الدول المستقلة صيغة متحضرة للطلاق بين الجمهوريات السوفييتية السابقة وليست للتكامل. ومنذ تأسيسها عام 1991 لم تتحول الرابطة لا إلى حلف عسكري سياسي ولا اقتصادي، وأصبحت مجرد مجموعة تكتلات إقليمية وبلدان تختلف مصالحها إلى درجة أكبر مما تتفق. وأصبحت أراضي الاتحاد السوفييتي السابق ميدانا لصراع انضمت إليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين من أجل تقاسم مناطق النفوذ.
وكانت جورجيا من أوائل بلدان الفراغ السوفييتي السابق التي تورطت في الصراع الدائر دون أن تأخذ بعين الاعتبار الدور الأساسي لرابطة الدول المستقلة في تمكينها من بناء اقتصاد مستقل، وبدلا من الاستفادة من مساعي الدول أعضاء في أعادة صياغة علاقات التعاون الاقتصادي والسياسي سارعت إلى دق إسفين في (الرابطة) منذ عام 1996، في اطار مساعيها لتحقيق مطامحها في خط أنابيب نقل النفط (باكو ـ تبليسي ـ جيهان)، إضافة إلى خط أنابيب نقل الغاز الأذربيجاني(أرمينياـ جورجيا ـ اذربيجان) باعتبار أن هذه المشروعات ستحقق ما يلي:
1) ستوقف محاولات روسيا للسيطرة علي جورجيا.
2) حصول جورجيا علي 5% من الغاز الأذربيجاني الذي سيمر عبر أراضيها، سيحررها من الضغوط الروسية التي تستخدم مصادر الطاقة اللازمة.
3) توفير الغاز وعائدات خط أنابيب نقل النفط سيؤدي إلى إحداث نمو اقتصادي، وسيساعد في بناء قاعدة اقتصادية قوية.
4)نقل النفط الكازاخي والغاز التركماني عبر جورجيا يتطلب حماية ودعم دوليين.
وفي هذا السياق كان لابد لرؤوس الأموال الغربية والجورجية أن تجد لغة مشتركة وتفاهم للاستفادة من عائدات هذه الخطط الطموحة، وهو ما يتطلب إزاحة التواجد العسكري والاقتصادي الروسي من جورجيا وسيادة نفوذ الغرب من خلال الناتو أو القوات الأميركية لحماية مصالح الغرب في الحصول على الطاقة من مصادرها الآسيوية دون تدخل روسيا. ويبدو واضحا أن هذه الخطط تشكل السبيل لتحقيق مساعي الغرب لاستبدال مصادر الطاقة الروسية.
والمقصود بإزاحة التواجد العسكري الروسي هو إجلاء القاعدتين الروسيتين المتواجدتين على الأراضي الجورجية، وقوات السلام الروسية لفض الاشتباك بين إقليم ابخازيا والحكومة الجورجية، إضافة إلى تطويع إقليمي ابخازيا وآسيتيا الجنوبية وإعادتهما إلى السيادة الجورجية باعتبارهما مركزا للنفوذ الروسي.
أما عن النفوذ الاقتصادي الروسي في جورجيا فهو ما يتطلب جهدا اكبر من مجرد اعتقال ضباط روس بتهمة التجسس أو الانسحاب من رابطة الدول المستقلة، بعد أن تمكنت رؤوس الأموال الروسية من شراء اغلب القطاعات الاقتصادية الأساسية في جورجيا، وسيطرت علي شركة الطاقة الكهربائية ومحطات توليد الطاقة والتدفئة وعلى شبكة الاتصالات، كما سيطرت على 80% من شبكة توزيع الغاز وعلى مصانع الازوت.
ويعتبر احتياج جورجيا في المرحلة الراهنة للغاز الروسي أحد أهم قنوات ارتباط الاقتصاد الجورجي بروسيا، إضافة لتحويلات العاملين الجورجيين في روسيا والتي تقدر رسميا بحوالي 350 مليون دولار سنويا (ما يعادل 70% من ميزانية الحكومة الجورجية) بينما تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 600 مليون دولار يتم تحويلهم بشكل غير رسمي من العاملين الجورجيين في روسيا إلى أسرهم في جورجيا. وقد وقعت شركة (غاز بروم) في بداية العام الحالي عقدا بتوريد الغاز إلى جورجيا، تحصل تبليسي بموجبه على الغاز الروسي بأسعار تصل إلى 110$ لكل ألف متر مكعب لمدة 10 سنوات على أن تمتلك شركة(غاز بروم) أنابيب نقل الغاز من روسيا إلى أرمينيا والمارة عبر الأراضي الجورجية، وذلك بعد أن كانت تحصل عليه بسعر 65$ لكل ألف متر مكعب، مما أدى إلى لجوء المواطنين لاستخدام الكيروسين والفحم.
إلا أن حكومة ساكشفيلي عندما وضعت خطتها الوردية للنهوض بالاقتصاد الجورجي، والتي استندت إلى الدخول في مواجهات مع روسيا لم تأخذ بعين الاعتبار أزمة جورجيا الأساسية وهي تنامي الديون الخارجية لتصل إلى أكثر من 2 مليار دولار، أي حوالي 70% من الناتج الإجمالي الوطني، والتي تجبرها على توجيه مصادر هائلة لخدمة الديون الخارجية، ولو إعادة جدولة ديون جورجيا عن طريق نادي باريس لكانت البلاد أصيبت بحالة إفلاس. هذا الوضع الذي دفع الحكومة لتقليص بنود الميزانية السنوية، أدى لازدياد معدلات البطالة وإنقاص عائدات الخزينة الحكومية بسبب تقليص المشاريع الحكومية، وبالتالي تناقص الدخل الوطني.
ولم تنجح الحكومة في اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، ربما كان ذلك بسبب ارتفاع الفوائد البنكية علي القروض الاستثمارية، أو بسبب المناخ غير الصحي للاستثمار في البلاد، الأمر الذي أدى لتفاقم مشكلة البطالة، التي تحولت إلى الأزمة الرئيسية التي تواجه الحكومة، وتسببت في هجرة العقول، وفقدان البلاد لخيرة كوادرها العلمية والتكنوقراطية القادرة علي إدارة شؤون الاقتصاد والصناعة.
بالإضافة لذلك واجه مشروع خط أنابيب نقل النفط (باكو ـ تبليسي ـ جيهان) مشكلتين، الأولى في أن كميات النفط التي يتم ضخها عبر هذا الأنبوب لا تزيد عن 40% من إجمالي طاقة الأنبوب، مما يفقده الجدوى الاقتصادية التي تم تشييده على أساسها، أما المشكلة الثانية فتكمن في أن النزاعات والأزمات في ابخازيا وادجاريا، ووادي بانكيسي تثير قلق الشركات في استخدامه، باعتبار أنه يمر عبر مناطق غير مستقرة.
ويبدو أن حسابات حكومة ساكشفيلي قد أغفلت عوامل عديدة وأساسية في النهوض بالاقتصاد الجورجي، ولعل هذا يعود إلى أن وصول ساكشفيلي إلى السلطة كان يستهدف أساسا انجاز مشروع أنابيب نقل النفط (باكو ـ تبليسي ـ جيهان) وإزاحة النفوذ الروسي من القوقاز دون أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح جورجيا التي مازالت مرتبطة بتعاونها مع روسيا، بدءاً من مجالات الطاقة، مرورا بمختلف أشكال التبادل التجاري والاقتصادي، وانتهاء بتحويلات الجورجيين العاملين في روسيا.
مركز دراسات الطاقة
موسكو