عندما توغّل عقبة بن نافع في المغرب خلال فتحه لشمال أفريقيا وأراد أن يرجع إلى عاصمته القيروان هجم عليه البربر وقتلوه في الطريق، والذي مكنهم من ذلك هو أن عقبة لم يكن يفتح مدينة أو حصناً حتى ينتقل لفتح مكان آخر قبل أن تستقر له الأوضاع السياسية في المدن المفتوحة.

وعندما كان موسى بن نصير في طريقه لفتح الأندلس وأخبر بقصة عقبة قال:«رحمه الله كيف ينطلق ولا يحمي ظهره، أما كان معه رجل رشيد» وبعد أن فتح الأندلس وتوغل في جنوب فرنسا أراد أن يفتح جميع المدن الأوروبية من الغرب حتى يصل إلى القسطنطينية في الشرق بجيش قوامه ثلاثون ألف رجل فقط، فتقدم إلى مقدمة الجيش رجل اسمه حبّان بن أبي جبلّة وأمسك بلجام فرسه وقال له:«يا موسى أتذكر ما قلته عن عقبة بن نافع، أنا رشيدك اليوم فأين تذهب بالناس» فضحك موسى من قوله وقال له: «أرشدك الله» ورجع عن عزمه، ولو أنه تقدم لاستطاع الأوروبيون أن يحاصروه في وسط أوروبا ويفنوا جيشه عن بكرة أبيه.

إن كل إنسان في حاجة إلى المشورة، سواء كان قائداً أم حرفياً أم ربّة بيت، ولا يجب على المستشار أن يتوافق رأيه مع رأي المستشير، بل على العكس كما يقول دايل كارنيجي: «إذا كنت أنت ومديرك متفقين في كل شيء فأحدكما لا حاجة له» فتعدد الآراء ظاهرة صحية بلا شك وخصوصاً إذا ما اتصلت بمصالح العامة، وهي أيضاً من صفات المجتمعات الحديثة التي تفهم معنى الحوار وتعي ماذا تريد منه.

في عام 1985 قامت الحكومة السنغافورية بتأسيس وحدة في مكتب رئيس الوزراء، أطلق عليها اسم «وحدة آراء المجتمع» كان هدفها أن تفتح قناة تواصل بين الحكومة وأفراد المجتمع وتتلقى اقتراحات الأفراد حول السياسات التي تنتهجها الحكومة والمشاريع التي تقوم بها، وكان الهدف الأسمى هو أن يفهم الأفراد لماذا تقوم الحكومة ببعض السياسات وأن يكونوا على دراية بحقوقهم وواجباتهم، ومن ناحية أخرى أرادت الحكومة أن تكون على اطلاع كامل باحتياجات المجتمع ومشكلاته وتوجهاته.

ولكي تحقق الوحدة هذه الأهداف وضعت آلية عمل واضحة وبسيطة، حيث يستقبل الموظفون - الذين يعملون على مدار الساعة - عن طريق الهاتف المجاني والفاكس والبريد الإلكتروني ورسائل الهاتف القصيرة مشكلات الناس وملاحظاتهم واقتراحاتهم، ثم يقومون بتحويلها إلى الجهة الحكومية المختصة لدراستها وتوفير الرد المناسب، وبعد ذلك يقوم هؤلاء الموظفون بالرد على الشخص المعني، ومن ثم ينشرون الاستفسار مع الإجابة على الموقع الإلكتروني الخاص بالوحدة. وفي نهاية كل شهر تقوم الوحدة بإعداد تقرير مفصل عن المشاكل والاستفسارات التي تلقتها وتلحقها بأجوبتها وترسل التقرير إلى جميع وزارات الدولة والجهات الحكومية لتكون على اطلاع بما يجري وتتابع القضايا العالقة.

وفي كل شهر تعقد الوحدة جلسة نقاش مفتوح لأفراد المجتمع حول سياسة معينة تزمع الحكومة طرحها أو سياسة سبق أن طرحت من قبل، كنظام التقاعد للمواطنين أو التعديلات التي تنوي الحكومة إدخالها على المناهج الدراسية وغيرها من مواضيع. وهناك جلسات أخرى سميت «بجلسات الشاي» حيث لا ينحصر الحوار في قضية معينة، وإنما يفتح الباب للجمهور لطرح مشكلة يريدون أن يتناقشوا حولها مع ممثلين عن الحكومة.

وفي كل سنة تعقد الحكومة مؤتمراً عاما لوحدة الآراء يحضره قرابة الستة آلاف شخص، تستعرض من خلاله أهم السياسات والمشكلات والقضايا التي نوقشت خلال العام وما هي المقترحات التي قدمها الأفراد وما هي الحلول التي تم التوصل إليها. ولقد استفادت الحكومة من الوسائل التقنية فقامت بتأسيس نظام لاستقبال الشكاوي عن طريق رسائل الهاتف القصيرة والموقع الإلكتروني الذي تطرح من خلاله استفتاءات حول قضايا وسياسات معينة لتتمكن الحكومة من معرفة تأييد الأفراد أو معارضتهم لهذه السياسات وبالتالي تعيد النظر فيها أو تقرّها.

ولم تغفل الحكومة رأي المتخصصين من أفراد المجتمع، فقامت بتشكيل مجموعات متخصصة يرأسها رجال أعمال وأساتذة جامعات وموظفون من مختلف القطاعات الحيوية، حيث يقوم هؤلاء بدراسة السياسات والمشاريع الحكومية بمنهجية علمية ثم يرفعون توصياتهم إلى الحكومة لتتخذ في شأنها ما تراه مناسبا. ولتضمن الحكومة ألا يتم إهمال اقتراحات الأفراد وملاحظاتهم قامت بوضع لجنة مكونة من أعضاء في البرلمان وموظفين من القطاعين الحكومي والخاص ومحامين وأكاديميين، يقيّمون أداء وحدة الآراء ويرفعون توصيات بشأنها لمكتب رئيس الوزراء.

وحتى تضمن الحكومة أن تصل إلى جميع شرائح المجتمع، فإنها تقوم بشكل دوري بإرسال رسائل عن طريق البريد الإلكتروني إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد لتطلعهم على كل ما هو جديد في مجال السياسات الحكومية والآراء التي تلقتها بشأنها، كما تقوم بنشر دورية كل ثلاثة أشهر تحمل في طياتها أخبار الوحدة والمبادرات المزمع إطلاقها وما هي أفضل الآراء والاقتراحات التي تبنتها.

وبالرغم من أن الحكومة لا تأخذ بكل ما يقترحه الأفراد إلا أنها حريصة على التجاوب مع كل اقتراح والتفاعل مع كل شكوى أو ملاحظة، فهي بذلك تمنح الأفراد دوراً أكبر في المجتمع وتشعرهم بقيمتهم وبأنهم ينتمون إلى الأرض التي يعيشون عليها وبالتالي لهم الحق في إبداء آرائهم بأسلوب عصري ومتحضر دون تجاوز للخطوط الحمراء ودون خوف أو تردد، وهي أيضاً تؤكد أنه من دعائم أي مجتمع حديث أن يكون الحوار بين أفراده وبين الحكومة حواراً من جهتين وليس من جهة واحدة.

واستطاعت الحكومة من خلال استجابتها لاقتراحات المواطنين الرامية إلى توطين القطاع الخاص أن تقلل من حدة استيائهم الذي كان يمكن أن يتفاقم إلى أن يصل إلى مرحلة الصدام، وخصوصاً مع تربّص الجهات الأجنبية التي من مصلحتها أن تقوّض دعائم الاستقرار في البلاد، ففرضت على المصانع سياسة تقضي توظيف عامل مواطن مقابل كل عامل أجنبي، وفرضت على شركات الخدمات سياسة تلزمها بتوظيف سبعة مواطنين مقابل كل ثلاثة أجانب.

لقد قامت كلية دبي للإدارة الحكومية قبل عدة أشهر مشكورة بعقد جلسة حوار بين المدير التنفيذي لهيئة الطرق والمواصلات بدبي وممثلين عن مختلف قطاعات المجتمع، وكانت تجربة فريدة من نوعها حيث استعرض المدير خطة الهيئة وسياساتها تجاه التقليل من الازدحام وتطوير البنية التحتية وغير ذلك من مشاريع وسياسات تمس جميع أفراد المجتمع، وتلقى ما قدم له من ملاحظات بصدر رحب وكان يأخذها بعين الاعتبار حتى أنه دوّن العديد من الاقتراحات ووعد بتطبيق ما يناسب منها. فلماذا لا تعمم هذه التجربة على باقي المؤسسات الحكومية في الدولة وتكون نواة لفتح قنوات تواصل بناءة بين المسؤولين وأفراد المجتمع؟

عندما سئل أحد الشباب الذين حضروا المؤتمر السنوي لوحدة الآراء في سنغافورة عن سبب مشاركته قال: «شاركت في المؤتمر لأكون على تواصل مع الحكومة ولأقوي هذا الرباط بينها وبين الشعب، ولأقدم شيئا مفيدا لمجتمعي وعائلتي وأصدقائي»... ثم أطرق قليلا وقال: «ولأساهم في جعل بلدي أفضل بلد على وجه الأرض».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com