ثلاثة أخبار أو تطورات كارثية بشأن العراق حدثت الأسبوع الماضي، اثنان منها في يوم واحد هو الأربعاء، الحدث الأول الدراسة المستقلة لجامعتي المستنصريةالعراقية وجون هوبكنز الأميركية بأن الغزو الأميركي وتداعياته أدى إلى مقتل 655 ألف عراقي أي حوالي 5,2% من الشعب.

في نفس اليوم صوت البرلمان العراقي في غياب العرب السنة على مشروع قانون بشأن الأقاليم الفيدرالية سيقود عملياً في النهاية إلى تقسيم البلاد.

الحدث الثالث معطوف على الثاني وهو ما رشح بأن توصيات لجنة جيمس بيكر التي شكلتها الإدارة الأميركية بشأن اقتراح تصورات استراتيجية تتجه إلى التوصية بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق كردية وسنية وشيعية.

أي خبر من هذه الأخبار كفيل بإحداث زلازل وبراكين في أي أمة حية، ولا أعرف بصراحة إلى متى ينتظر العرب بشأن العراق؟

العراق يوشك أن يضيع من أمته، بل من شعبه، أوضاعه لا تحتاج لمزيد تفصيل، فالكارثة نراها على الهواء مباشرة كل لحظة، أن يقتل خمسين عراقياً ويتم العثور على مئة جثة مجهولة ومشوهة يومياً وأن تنفجر السيارات المفخخة في الأبرياء والأسواق، كل ذلك صار أمراً روتينياً، لم يعد يثير غيرة أو حمية أحد، بل لم يعد خبراً مثيراً في عرف وسائل الإعلام باعتبار أنه روتيني ومكرر.

الكارثة مثل كرة الثلج تكبر كل يوم وتداعيات الاحتلال تتضح شيئاً فشيئاً. التهجير والفرز الطائفي والمناطقي يحدث كل لحظة، القتل على الهوية بلا حدود، العوائل المغلوبة على أمرها والكفاءات تهاجر من كل العراق حفاظاً على مجرد الحياة، لقد صار العراق مرتعاً لكل أجهزة الاستخبارات الدولية والمرتزقة والعصابات المنظمة وكل شذاذ الآفاق.. إذا لم يكن كل ذلك هو الحرب الطائفية الأهلية المخططة، فماذا نسميها؟

علينا أن نعترف بالحقيقة حتى يمكننا علاجها، وعلى الذين أخطأوا أن يعتذروا أو على الأقل أن يعودوا عن خطئهم، وإذا لم يفعلوا علينا أن نستخدم كل الوسائل لإعادة العراق قبل أن يفنى تماماً سواء برصاص الاحتلال أو الموت المجنون والعشوائي الذي يفتك بالجميع.

عندما ثبت كذب مقولة الاحتلال بأسلحة الدمار الشامل، استداروا إلى اسطوانة «النموذج الديمقراطي المشع في المنطقة»، وعندما تحول هذا «المشع» إلى النموذج المظلم لكل المنطقة، انتهى الأمر بلجنة بيكر إلى التوصية بالتقسيم.

هذه التوصية ليست مفاجأة لأي عاقل رأى الحقيقة مع قدوم الاحتلال، واشنطن وبالأحرى الجناح المحافظ المتنفذ في إدارتها الراهنة لا يشغله وجود نموذج ديمقراطي، والسبب أن أي ديمقراطية فعلية ستفرز أوضاعاً هي بالضرورة معاكسة للمصالح الامبريالية الأميركية والهيمنة الإسرائيلية، لذلك يمكن القول بثقة إن التقسيم كان هدفاً بحد ذاته منذ التخطيط للاحتلال بهدف وحيد هو «المصلحة الإسرائيلية»، هذا الهدف كان بالنسبة إلى هذا التيار اليميني المحافظ أهم بمراحل من سرقة النفط، وإخضاع المنطقة، فالهدف كما يتضح الآن هو ليس فقط تقسيم العراق، بل كل المنطقة كما أظهرت مؤخراً خريطة ضابط البنتاغون بحيث تصبح إسرائيل هي الدولة القوية الكبرى الوحيدة وسط مجموعة من الأقزام والدويلات.

بعض العرب، انخدع بالشعارات الأميركية بسبب قسوة أنظمتهم الحاكمة، وبعضهم صدقها بسذاجة، الآن وقد حصحص الحق فماذا نحن فاعلون؟

تحركنا الآن لإنقاذ العراق ليس فقط لأن هذا البلد جزء عزيز وحيوي للأمة العربية بأكملها، ولكن حتى بمنطق المصلحة الخاصة، تقسيم العراق سيعني أن كرة اللهب سوف نجدها في كل دولة بل ومدينة عربية، لا أحد سينجو من هذا الطوفان، وواهم من يعتمد على التطمينات الأميركية الإسرائيلية التي تعطى لكل طرف على حدة في غرف مغلقة.

لا أعرف كيف تفكر غالبية الحكومات العربية، ألا تخشى حتى على مقاعدها، هل ستأمن المكر الأميركي الصهيوني؟

مع كل التقدير للمبادرات الفردية العربية فإنها لم تعد مجدية، هناك مخطط كامل يجري تنفيذه أمام أعيننا، الأكراد أنزلوا العلم العراقي، والشيعة يحاربون من أجل الأقاليم الفيدرالية، والسنة حائرون منقسمون.

على كل العرب حكومات وأحزاب ونقابات وجمعيات مجتمع مدني وأفراد أن يتحركوا ويبذلوا كل ما في وسعهم لإيقاف هذه الكارثة، وعلى الحكومات أن تدرك أن تحركها حتى لو اصطدم بالرغبات الأميركية الإسرائيلية سيكون أهون من ضياع كل المنطقة.

الخطاب العربي المطلوب الآن لا بد أن يتوجه لجميع مكونات الشعب العراقي ليطمئنهم ويقنعهم بأن العراق العربي الموحد المتسع لكل طوائفه وأعراقه وملله ونحله هو لمصلحة الجميع. التحرك العربي ينبغي أن يطمئن الأكراد أولاً بأن انفصالهم سيكون ضد مصالحهم على المدى البعيد، يطمئن الشيعة أن مصلحتهم هي في عراق موحد وليس تحول الجنوب إلى محافظة إيرانية جديدة، يقنع بعض السنة بأن وحدة العراق الآن أهم من إقامة الخلافة الإسلامية، وأن شيعته عرب أصلاء وجزء أساسي وفاعل في العراق ولم يهبطوا عليه فجأة من المريخ أو وسط آسيا. أيها العرب أنقذوا العراق لتنقذوا أنفسكم وكفانا فلسطين واحدة.

emadiraqi@yahoo.com