فيما يؤكد طرفا النزاع الفلسطيني الداخلي، حركتا حماس وفتح، أنهما لن يسمحا بانزلاق الأوضاع نحو الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية، فإن ما يجري في الميدان، وعلى المستوى السياسي والإعلامي، يشير إلى تزايد القلق لدى الشارع الفلسطيني إزاء إمكانية أن تفلت الأمور موضوعياً، أو بإرادة بعض الأطراف نحو اقتتال مدمر تدرك كافة الأطراف، أنه ينطوي على مخاطر مصيرية تشمل الجميع.
يوم الأحد الأول من هذا الشهر، وثاني أيام شهر رمضان الفضيل عاشت شوارع قطاع غزة، اشتباكات دامية، كانت حصيلتها المعلنة أحد عشر شهيداً ونحو مئة وثلاثين جريحاً، فيما أكد وزير الداخلية سعيد صيام أن الحصيلة الحقيقية أكبر مما جرى الإعلان عنه، فضلاً عن أن التوتر والاشتباك امتد إلى الضفة الغربية.
جرح يوم الأحد الأسود لا يزال مفتوحاً على اشتباكات وأحداث متفرقة، ذلك أن التصريحات التي تصدر عن قيادات الطرفين، لا تزال تعكس اشتداد حالة الاستقطاب السياسي، وحالة التحشيد والتحريض، وتعميق الاحتقان، والشعور بالعدائية لدى القواعد الفصائلية والمناصرين.
الطرفان يتبادلان كل الوقت الاتهامات الصعبة، بالتفريط والتخوين والروح الانقلابية، والتمرد، أو الغش ورفض الآخر، وعدم الرغبة في بناء الشراكة السياسية التي تسمح للفلسطينيين بالخروج من المأزق الشديد والخانق الذي يعانون منه منذ سبعة أشهر.
وفي الواقع فإن بلوغ التوتر بين الطرفين حماس وفتح، ومؤسستي الرئاسة ورئاسة الحكومة، هذا الحد المقلق إنما يعود إلى أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية التي جرت أوائل العام الماضي بالنسبة للرئاسية، وأوائل هذا العام بالنسبة للتشريعية، قد خلقت وضعاً معقداً، يحتاج إلى الحكمة وإلى حلول إبداعية تحمي الساحة الفلسطينية من مغبة الانزلاق نحو التدمير الذاتي.
قبل الانتخابات عاشت الساحة الفلسطينية حالة من ازدواجية السلطة وتوازن القوة، تسببت في تعطيل الحياة السياسية وفي تعميق ظاهرة الفوضى والفلتان الأمني، وتجاوز القانون، فضلاً عن أنها أفضت إلى سباق تسلح استمد دوافعه من منطق مقاومة الاحتلال، ولكن ليرتد إلى الفعل الداخلي.
الانتخابات شرعت ورسمت ازدواجية السلطة، وبدلاً من أن تكون ازدواجية السلطة بين سلطة ومعارضة، أصبحت بين سلطة وأخرى في إطار السلطة ذاتها، بعد أن فازت حماس بأغلبية مقاعد التشريعي، بينما حظيت فتح بعدد كبير من مقاعد المعارضة.
أصبح الفلسطينيون أمام سلطة تشريعية تحمي سلطة تنفيذية (حكومة) تسيطر عليها حركة حماس، وسلطة تنفيذية تعبر عنها مؤسسة الرئاسة، تسيطر عليها حركة فتح، ولاحقاً خضع جسم السلطة ومؤسساتها إلى حالة تنازع بين ما كانت فتح قد بنته على طريقتها الخاصة، وبين حكومة جديدة مختلفة ترغب في السيطرة على المؤسسات التي ستقودها.
حركة حماس اقتحمت النظام السياسي الفلسطيني من خلال الانتخابات، وأملت بأن تجري في منظمة التحرير الفلسطينية تغييرات موازية ومطابقة لما حصلت عليه في مؤسسات السلطة التشريعية والتنفيذية، الأمر الذي يعكس طموحاً بأن تكون هي قيادة النظام السياسي الفلسطيني.
وفي ضوء تبدل الأدوار، واختلاف البرامج، وكل طرف يدعي عن حق أنه انتخب من قبل الشعب على أساس برنامجه السياسي، نشأ توازن قوى صعب لم يعد معه لأحد الطرفين أن يحسم ميزان القوى لصالحه، فالقوة الجديدة الصاعدة تعمل على تعزيز مواقعها، فيما القوة القديمة المتراجعة تدافع عن مواقعها ودورها.
هذا يعني موضوعياً، أن هناك إعادة صياغة للنظام السياسي الفلسطيني، لا تحتمل استمرار حالة الشلل بسبب ازدواجية السلطة، وازدواجية القرار والقيادة وازدواجية البرنامج وأدوات الفعل، وفي ظل أوضاع محلية وإقليمية ودولية تتطلب من الفلسطينيين امتلاك مقومات القدرة على التفاعل السياسي.
ازدواجية السلطة، وتضارب السياسات والأهداف، يضع الفلسطينيين أمام خيارات صعبة، إذ لا يمكن الاستمرار في ظل توازن قوى وبدون أن يحسم طرفاً الوضع لصالحه. غير أن الطرفين والأطراف الأخرى يدركان أن حسم ازدواجية السلطة بالقوة، سيجلب الدمار على الطرفين ويلحق ضرراً كبيراً بالقضية الفلسطينية والنتيجة ذاتها تتحقق لو أن الرئيس محمود عباس لجأ إلى خيارات أخرى دستورية كحل الحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة، أو تشكيل حكومة طوارئ أو حكومة انتقالية لمدة عام، وفق ما جاء في مبادرة قدمها عدد من الشخصيات الوطنية والاعتبارية مؤخراً.
والواقع أن أي معالجة للوضع لابد أن تتم بالاتفاق بين الطرفين خصوصاً في ظل ضعف ما يمكن اعتباره طرفاً ثالثاً، يتميز بالتشرذم، ولا يملك مقومات التدخل الفاعل في إعادة صياغة الأمور، ولذلك كان الخيار الوحيد المتاح والذي يؤدي إلى خلق حالة تعايش مؤقتة، هو خيار إقامة حكومة وحدة وطنية، هي مقبولة من الجميع كمخرج، لكن الخلاف الصعب يدور حول برنامجها السياسي.
ومن البديهي أن النجاح في إقامة حكومة وحدة وطنية، سيعني إحلال مبدأ التعايش مع بقاء حالة الاستقطاب من أجل حل ازدواجية السلطة في وقت لاحق، ما يعني أن الساحة الفلسطينية لن تعرف الهدوء والاستقرار السياسي والحياتي لفترة من الوقت، يتمكن خلالها أحد الأطراف من حسم التوازن لصالحه وعبر صناديق الاقتراع. وقد أصبح من الواضح أن النجاح في إقامة حكومة وحدة وطنية يتطلب توفر قناعات من قبل الطرفين فتح وحماس، إزاء ضرورة الاعتراف والتعاطي الإيجابي مع نتائج العملية الديمقراطية، وما ينجم عن ذلك من تغييرات، والاتفاق عن قناعة بضرورة التوافق على برنامج سياسي يؤدي إلى انفراج الأزمة ورفع الحصار والتفاعل مع المحيط الإقليمي والدولي.
هذا يعني أن على حركة حماس أن تقدم تنازلات في ميدان السياسة، وأن على حركة فتح أن تقدم تنازلات في ميدان الحكم وشؤونه. على أن الأمر ليس بهذه السهولة في ظل التجاذبات الإقليمية والتحالفات، والعوامل المساعدة والمجافية لكل من الطرفين المتنافسين.
خلال الشهر الماضي جرت محاولة سرعان ما انتكست حين اتفق الرئيس محمود عباس وإسماعيل هنية رئيس الحكومة على نقاط سبع سياسية، ما أدى إلى خلق حالة من الصراع والجفاء بين الطرفين، دفع بالحكومة القطرية لتقديم مبادرة من ست نقاط جرى صياغتها أثناء زيارة الرئيس عباس لقطر أوائل هذا الشهر.
التدخل القطري ينبع من العلاقة الخاصة بين قطر وحركة حماس لكنه لا يخرج عن سياق السياسات العربية والدولية المعروفة التي تطلب من حماس إبداء تنازلات سياسية تستجيب بهذا القدر أو ذاك لشروط الرباعية الدولية، لكن هذا التدخل ما كان له أن يتجاوز التداخلات والعوامل المؤثرة الصعبة على حركة حماس ولذلك لم تنجح مساعي وزير الخارجية حمد بن جاسم الذي قام بزيارتين لدمشق وأخرى للأراضي المحتلة، التقى خلالها بالرئيسين محمود عباس وإسماعيل هنية.
المبادرة القطرية تتكون من ست نقاط قبلها الرئيس عباس ورفض معظمها إسماعيل هنية رئيس الحكومة. النقاط الست هي:
ـ أن تلتزم الحكومة الفلسطينية بقرارات الشرعية الدولية.
ـ أن تلتزم الحكومة بالاتفاقيات الموقعة من قبل منظمة التحرير.
ـ ضمان قيام دولة مستقلة ومتصلة على حدود 1967، إلى جانب دولة إسرائيل كما ورد في خطاب الرئيس بوش.
ـ الاتفاق على وقف كل أشكال العنف بشكل متبادل ومتزامن.
ـ العمل على تفعيل منظمة التحرير وفق اتفاق القاهرة.
ـ أن تتولى المنظمة ورئاسة السلطة والقيادة الفلسطينية مسؤولية الملف السياسي بما في ذلك المفاوضات.
محتوى هذه المبادرة أصعب بالنسبة لحركة حماس من النقاط السبع التي سبق أن تم الاتفاق عليها بين عباس وهنية وجرى التراجع عنها. غير أن فشل مساعي وزير الخارجية القطري، وإن كان ترك إحباطاً لدى الشارع الفلسطيني، إلا أنه لا يعني نهاية المطاف، إذ لا تزال الفرصة متاحة لحوار فلسطيني فلسطيني، الأفضل أن يتم بدون وساطات، يؤدي إلى التوصل لبرنامج سياسي أقرب إلى النقاط السبع، ذلك أن ما مضى حمل الكثير من الضغوطات على حركة حماس. المهم أن الوقت ينفد، لكن الأمل لا يزال موجوداً، يعززه إدراك الجميع بأن لا خيار سوى الاتفاق وبناء الشراكة السياسية.
كاتب فلسطيني