استمتع مشاهدو تلفزيون سما دبي في النصف الأول من شهر رمضان بمتابعة المسلسل الكرتوني «فريج»، والذي نال شعبية كبيرة في أوساط غالبية المواطنين، صغيرهم وكبيرهم، حيث كان الجميع يتجمع أمام جهاز التلفزيون ويتابع المسلسل ليضحك من تعليقات «أم خماس» ويستغرب من قوة عين «أم سعيد» الحاسدة، ويعلق على نسيان «أم سلوم» وفصاحة «أم علاوي».

والشعبية الكبيرة التي حظي بها هذا المسلسل بين أهل البلد خصوصا تعود في نظري لسببين، الأول والرئيسي يقع في أن مشاهدي التلفزيون من المواطنين تعرفوا على هذه الشخصيات على أنها جزء منهم وتمثلهم، حيث أن كل أولئك النساء في المسلسل مثّلن جزءا من الشرائح المجتمعية المواطنة الموجودة في الدولة، وثانيا لكون المسلسل، من ناحية فنية، كشف عن الكثير من المجالات الإبداعية لشبابنا وأبرز العديد من مواهبهم.

علاوة على ذلك، كشف المسلسل عن أن نسبة نجاحه العالية تعود إلى عدة أسباب، أهمها الموهبة الجميلة والإبداعية التي يتمتع بها فريق العمل، وعلى رأسهم المخرج محمد سعيد حارب والمبدعة المتميزة نجلاء الشحي، وأيضا أهمية العمل الجماعي والعمل بروح الفريق التي كانت من أهم السمات الأساسية في «فريج».

لقد كان واضحا أن الجهود التي بذلت في المسلسل جهود كبيرة وقيمة، والذي يعرف شيئا عن انتاج برامج الكرتون يعرف الجهد الكبير وغير العادي، وكذلك الكثير من الصبر والتحمل، الذي يحتاجهما انتاج مثل هذا النوع من البرامج. كما أن الدعم المادي الذي حصل عليه العمل، يشكل أيضا نقطة أساسية في أسباب نجاحه، لأن انتاج مثل هذه الأعمال يتطلب تخصيص ميزانيات كبيرة، خاصة إذا كان هناك استخدام لأجهزة خاصة، مثل الأجهزة التي تقوم بعمل الصور التي تضاهي في حركتها حركة الإنسان، وهو ما استخدم في هذا المسلسل، وليس الاعتماد فقط على الرسم الكرتوني التقليدي، فهذا النوع من الأجهزة مكلف كثيرا ويحتاج إلى نوع خاص من الفنيين الذين يقومون بصنعها أو التحكم فيها. إن الجهد الكبير الذي بذل في انتاج هذا العمل، ونوعية المواهب التي برزت فيه، وكذلك المساندة التي حظي بها، كل هذه الأمور تجعلنا نشيد، ونفرح به.

فهؤلاء الشباب المبدعين هم من أبنائنا ولهم الحق في أن يحتفى بما يقومون به من أعمال تكشف عن مواهبهم وعن قدراتهم الإبداعية والفنية. كما أن الدعم المادي والمعنوي الذي حظي به هؤلاء الشباب يكشف عن إدراك من بعض المسؤولين بأن مثل هذه المواهب إذا لم تجد من يرعاها، ولم تجد البيئة الحاضنة التي تعتني بها وتساندها، فإنها لن تستطيع أن تنتج أعمالها وتواصل طريقها الفني. وإذا كنا ندرك أن مثل هذه الأعمال لها أهمية كبيرة، ليس فقط في إظهار وصقل مواهب وإبداعات هؤلاء الشباب، بل في دعم الجوانب الوجدانية لمواطني هذا البلد، حين يلمسون إبداعات أبنائهم ومقدراتهم الفنية والفكرية، وحين يشاهدون أنفسهم على الشاشة، فإننا ندرك أهمية وضرورة دعم مثل هذه الأعمال وإبرازها.

ولأن برامج الكرتون تشكل رافدا من روافد تشكيل أو دعم الجوانب الوجدانية، وحتى الفكرية والعقائدية لدى الإنسان، فإن تحليل الدلالات المضمنة فيه لكشف مثل هذه الأبعاد مسألة ضرورية لنا كمتخصصين في الدراسات الإعلامية. فالعمل الكرتوني، شأنه شأن أي عمل فني بصري آخر، له أبعاد دلالية كثيرة تلعب دورا في المشاركة في تشكيل وجدان المتلقي والتأثير على أفكاره، وحتى سلوكه، وبخاصة إذا كان المتلقي صغيرا ولم يزل وجدانه بعد في طور التشكل. والذي ينظر بشيء من التحليل، مثلا ، للمسلسل الكرتوني «باباي» يعرف أنه كان هناك سعي من خلاله لرسم صورة وجدانية نمطية وذات أبعاد خطيرة للرجل غير الأبيض (بلوتو الملتحي)، تمثله على أنه هو الشرير والقاسي وعديم الأخلاق، وأن هذا السعي كان جزءا من الخدمة المنظمة التي تقدمها أفلام الكرتون الأميركية في مجال دعم الأيديولوجيا التي تنتمي إليها.

والمتمثلة في خلق صورة متألقة وجذابة للرجل الأبيض تظهره على أنه الطيب، نصير الحق، والمتصدي للشر، وأن «الآخر» الأسمر الملتحي، هو الشرير والفظ وغير المراعي للقيم الإنسانية. وهذه صورة نعرف أنها عكسية تماما لما يمثله الواقع الحقيقي، والذي يتكشف لنا عن أن الرجل الأبيض، الأوروبي، أو الأميركي تحديدا، هو المسؤول عن أكبر قدر من الدمار الذي حدث ويحدث في العالم، وأن الرجل الأسمر والملتحي ليس إلا ضحية، في كثير من الأحيان، وأنه هو في الحقيقة، أي الرجل الأسمر، المعرض للأذى والانتهاك من قبل الرجل الأبيض حتى يومنا هذا.

الإعلام الغربي مدرك لأبعاد مضامينه وصوره، ويعرف أنها، وإن حظيت أحيانا ببعض النقد من قبل بعض المتخصصين، إلا أنها تصيب أهدافها في كثير من الأحيان، وبخاصة في وجدان العاديين من الناس وغير المسلحين بأدوات التحليل والإدراك المناسبة. من هنا أرى ضرورة أن ننتبه في أعمالنا لبعض الدلالات فيها، ومنها مثلا إشكالية التنميط، أو خلق صورة وجدانية في نفوس مشاهدينا لبعض الأشخاص قد ترسخ مفاهيم غير حقيقية حولهم أو تؤثر في نوع نظرتنا أو حتى تعاملنا معهم، مثلما برز في «فريج». حتى وإن كنا نرى أن تلك الصور إنما صنعت لتخدمنا في جانب المبالغة والفكاهة المطلوبين أحيانا في انتاج مثل هذه الأعمال.

ومن بين الملاحظات التي أتمنى لفريق العمل الذي اشتغل على مسلسل «فريج» أن يأخذها بعين الاعتبار، هي هذه الإشكالية والتي ظهرت بشكل خاص في بعض الأنماط. فعندما تنتمي أم خماس، مثلا، أو أم علاوي لفئات معينة من الناس، ونخلق لهذه الفئات سمات محددة تختصرهم أو تبالغ في إظهارهم بشكل ربما لا يمثلوه كليا أو جزئيا في الواقع، فنحن هنا نعزز أو نخلق بعض الصور النمطية حول هذه الفئات. وكما قلت، ربما تحتاج منا بعض المواقف الفكاهية المبالغة في تصوير بعض الشخصيات أو تضخيم جوانب فيها، لكننا أيضا لا ننسى أن وسائل الإعلام، المرئية بشكل خاص، تلعب دورا خطيرا في كثير من الأحيان في تعزيز او خلق صورة نمطية في أذهان مشاهديها حول بعض الفئات من البشر.

وهنا لا بد من التذكير أن الذي نشاهده اليوم من إساءات ومن اعتداءات ومن تطاول على الإسلام والمسلمين، لم يكن ليحدث بهذا الحجم لو لم تلعب وسائل الإعلام، وبخاصة المرئية منها، دورا كبيرا في خلق صورة نمطية عنا كمسلمين في أذهان مشاهديها، على امتداد رقعة العالم، وحتى في نفوس بعضنا. وأنا لا أقصد طبعا أن الصور النمطية التي ظهرت في فريج تحمل ذات الخطورة، لكن الأبعاد التي ظهرت بها تحتاج أن لا نعاملها بعدم المبالاة، أو أن نتجاهل أبعادها أو تأثيراتها في النفوس، وإن على المدى البعيد، على الصورة التي نرسمها للآخرين ولأنفسنا، والتي قد تحتوي أحيانا على مفاهيم وتصورات غير صحيحة عنهم، وعنا أيضا.

أيضا الجانب الآخر الذي أتمنى أن يدرسه العاملون على مسلسل فريج، فيما لو فكروا في الاستمرار، وأتمنى أن يفعلوا، هو الجانب المتعلق بالصورة التي نريد أن نعززها حول كبار السن، «العيايز» كما صنفهم المسلسل. فنحن وإن كنا نحتاج أن نبالغ أحيانا في تصوير بعض جوانب شخصياتهم لغرض الفكاهة، إلا أننا يجب أن ندرك أيضا أبعاد ما نصدره من أفكار حولهم، وفيما لو أننا، من خلال أعمالنا الإعلامية، نريد أن نعزز من تهميشهم وعزلتهم، أو أننا نريد من خلال أعمالنا أن نبجلهم أيضا كبشر يمثلون لنا من خلال وجودهم في حياتنا مخزون المحبة والحكمة والاستمرارية.

وملاحظة صغيرة تتعلق بالجانب اللغوي، لن أسهب فيها، فهي ثانوية، لكن أرجو عدم إهمالها مستقبلا حيث أنه كانت هناك بعض الأخطاء في هذا الجانب، واقترح في المستقبل الاستعانة بمن لم تتأثر مفرداتهم اللغوية بالتغيير الحاصل في مجتمعنا، وهم من اولئك العارفين باللهجة المحلية ومفرداتها ومعانيها بشكل عميق وما زالوا موجودين بيننا.

إن كل الملاحظات التي ذكرتها ذات صلة قوية بالدراسات الإعلامية، والتي تنظر في الأبعاد الواضحة والضمنية للدلالات في الأعمال الفنية. ولم أذكرها هنا من منطلق «البحث عن الأخطاء» كما علق أحد القائمين على أجهزة الإعلام عندنا حين ذكرتها له، وإنما ذكرتها من منطلق الحرص على النظر في الأعمال التي ينتجها أبناؤنا برؤية نقدية تعزز قيمتها وتصوب أخطاءها.

فنحن مثلهم نسعى بأن يكون لهم حضور جميل في فضاء الإنتاج الفني والفكري، حضور يحتضنه المجد ولا تشوهه الأفكار القاصرة أو غير الناضجة، فهؤلاء الأبناء جديرون بأن نحتضنهم بمحبة تكشف لهم عن كل جوانبهم، وتريهم في أعمالهم، سيئها وخيرها، حتى يصلحوا الأولى ويعززوا الثانية. وهذه هي المحبة الحقيقية، وهذه هي الرسالة التي نريد إيصالها لهم. والتحية والدعوة بالتوفيق لكل من عمل على مسلسل «فريج».

جامعة الإمارات