لا يزال النقاش مستمراً ومتدفقاً في لبنان حول طبيعة القرار الدولي الأخير رقم 1701 والصلاحيات التي يستبطنها بين طيات نصوصه، والإلحاح الشديد من بعض القوى إلى تفسير مواده على أكثر من وجه واستنطاق منطوقها بما يتلاءم مع مصالح هذه القوى في الداخل اللبناني المتناغم كثيراً مع الخارج.
بالرغم من أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حسم هذا الجدل البيزنطي الذي استهلك حبراً وورقاً وكلاماً عبر الأثير بأن القرار 1701 ليست مهمته نزع سلاح المقاومة اللبنانية إلا أن النافخين بنار الفتنة لا يفوتون فرصة إلا ويؤكدون من خلالها أن المجتمع الدولي يعمل على انجاز هذه المهمة المقدسة بالنسبة لهؤلاء، وبالرغم من أن مبعوث الأمين العام في لبنان غير بيد رسون أكد منذ يومين بما يشبه الجزم أن القوات الدولية التي تدفقت على لبنان منذ حوالي الشهرين ليست معنية بنزع سلاح المقاومة في الجنوب بل هي جاءت للقيام بمهمة مختلفة هدفها تثبيت الهدوء على الحدود اللبنانية والمساعدة بإعادة بناء ما دمرته القوات الإسرائيلية المعتدية بحق القوى والمدن اللبنانية الآمنة.
البعض في لبنان وبعد هذه المياه الغزيرة التي تدفقت تحت الجسر يتمنى أن يدخل هذا القرار تحت البند السابع وأن تقوم القوات الدولية بمهمة قتالية لانتزاع سلاح المقاومة بالرغم من أن بوش وليفني وزيرة خارجية إسرائيل اعترفا علناً بأن أقوى الجيوش في العالم لا تستطيع انتزاع سلاح المقاومة بالقوة، ولكن هذا البعض وبتشجيع من بعض الخارج يدفع باتجاه توتير الأجواء وممارسة المزيد من الضغوط على لبنان وأهله لارتكاب المزيد من الدمار الذي لن يقدم ولن يؤخر، ولن يحصد هؤلاء إلا الخيبة.
اضطلع القرار 1701 بتنفيذ مهمتين أساسيتين الأولى وقف العمليات العسكرية والثانية مساعدة القوات الأمنية اللبنانية ببسط سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية، ما خلا المادتين المهمتين فإن القرار 1701 أعفى نفسه من أية مهمة أخرى، ورفض الاجتهادات التي عمل بعض الداخل لتحميله تبعاتها، وأكد بلسان أكثر من مبعوث دولي أن المهمة واضحة، وعندما تبرعت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بتحميل القرار أكثر مما يحتمل سارعت أوساط مسؤولة إلى حسم النقاش ووضعه في نصابه الحقيقي، وابعاد القرار عن الأغراض والمصالح الخاصة، لهذه الجهة، أو تلك.
لا نستطيع المجازفة في القول ان القرار 1701 هو قرار مقدس وأنه فوق الفرضيات ولكن لابد من التأكيد أن الملاحم والمواجهات التي بذلها رجال المقاومة والصمود الأسطوري للشعب اللبناني وسقوط مئات الشهداء على أرض المواجهة هو الذي جعل لهذا القرار اعتباراته الخاصة ومضامينه التي لا تخضع للكثير من التأويل وحصانته الفريدة. فالذاكرة حافلة بالعديد من الشواهد التي تؤكد على تحيز المجتمع الدولي، وعدم إنصاف قراراته الكثيرة خصوصاً القرار 420 الذي بقيت إسرائيل تماطل لتنفيذه أكثر من ربع قرن على وجه التحديد، ولم تنفذه في نهاية المطاف إلا المقاومة العنيدة والشرسة التي خاضها الشعب اللبناني واجبرها على الانسحاب من أراضيه في العام 2000.
كذلك فإن القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية خصوصاً 242 و 338 وغيرها لا تزال إسرائيل تماطل في تنفيذهما مدعمة من المجتمع الدولي إضافة إلى المماطلة في عملية السلام التي تم توقيعها في أوسلو والتي تضمن للشعب الفلسطيني قيام دولته المستقلة على أرضه الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، ولكن هذه الاتفاقيات التي تبناها المجتمع الدولي ذهبت ادراج الرياح، وهاهو الشعب الفلسطيني ما زال يعاني من إرهاب الدولة الإسرائيلي المنظم والوحشي.
ان بعض المتفائلين في لبنان بتحويل القرار الدولي 1701 وفق البند السابع هو نوع من أحلام اليقظة لأن الحصول على هذا الهدف يكون سابقة خطيرة في آلية عمل المجتمع الدولي وبالتالي يكون التحذير قد وصل إلى ذروته، هذا إذا لم نسقط من حسابنا إن بداية معاناة لبنان بدأت مع القرار 1559 الذي كان نذير شؤم على لبنان واللبنانيين وتم اتخاذه في ليل مظلم لم يكن لأحد في هذا البلد علم بما يحاك من مؤامرات، إلى أن كشف لنا سيلفان شالوم وزير خارجية إسرائيل الأسبق أن دولته كان لها الباع الطولى في إيجاده. عندما نعلم خلفيات هذا القرار الدولي نستطيع أن نضع الإصبع على الجرح ونعرف ماذا حيك ويحاك لهذا البلد الطيب ولهذا الشعب الأبي من مؤامرات.
إذا تمت محاسبة الذين حاكوا مؤامرة القرار الدولي 1559 وتبعاته الذي كان بمثابة الكارثة الكبرى على لبنان نستطيع القول بكل ثقة ان المجتمع الدولي بدأ يسلك الطريق الصحيح، ويقف إلى جانب القضايا العادلة في هذا العالم. لأن القرار الدولي 1559 يعادل قرار تقسيم فلسطين بكل تأكيد. وبذلك نضمن أن تطبيق القرارات الدولية بدأ يشق طريقه الصحيح لتحقيق الأمن والعدالة لكل الشعوب المقهورة والمظلومة.