من المفروض أن تكون محاكمة صدام حسين التي تجري في بغداد محاكمة سياسية وهي كذلك مهما حاولت السلطة العراقية أو قوى الاحتلال تحويلها إلى محاكمات تدور حول جرائم ارتكبها المتهمون (كلهم أو بعضهم) من قتل أو تعذيب أو غير ذلك كان الأولى أن تحال إلى أية محكمة جناية في مدينة المتهم.

الملاحظ أن هذه المحاكمات تبتعد عن المحاكمات السياسية وتجد قوى تبعدها عن ذلك وتحولها إلى محاكمة أفراد ارتكبوا جرائم بحق أفراد وكأن هدفها إظهار السلطة الحالية في بغداد أنها أقوى من صدام حسين، ولم نشهد منذ بدء هذه المحاكمات سواء منها محاكمات الدجيل أم الأنفال أية رغبة أو نية عند قوة الاحتلال أو عند الحكومة العراقية في تحويلها إلى محاكمات شاملة تقوّم فترة كاملة من تاريخ العراق تجاوزت عشرات السنين، ومحاكمة سياسات داخلية وخارجية مارسها النظام السابق يقول حكام العراق الحاليين أنها كانت السبب في احتلال الولايات المتحدة للعراق والهيمنة عليه وتدميره.

وقد سودت الصحف العراقية (وغير العراقية) مئات الصفحات بل آلاف الصفحات منذ سقوط النظام السابق اتهمت فيها ذاك النظام بالاستبداد والديكتاتورية والعسف والإبادة الجماعية وجرائم الحرب وكل ما يخطر على البال من تهم، مما يقتضي معه أن تكون المحاكمة في هذا الإطار أي محاكمة نظام مستبد قمعي ارتكب أفظع الجرائم بحق شعبه وبحق البلدان المجاورة، أي لابد أن تكون المحاكمات سياسية وشاملة تستهدف أول ما تستهدف إدانة النظام وسياساته ونهجه وأساليبه وممارساته إن كان ارتكب مثل هذه الجرائم.

كما تكون ميداناً لتقويم مرحلة بكاملها سياسياً واقتصاديا واستراتيجياً وقومياً، لا أن تحوّل إلى محاكمة أفراد كانوا في السلطة وعذبوا أو قتلوا مواطنين آخرين أو تسببوا في قتلهم وتعذيبهم في أيام تسلمهم مهامهم، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا المحكمة الخاصة و(الهيلمان) والتلفزيون والصرعات الإعلامية فقد كان يكفي إحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات في منطقة سكنهم وهي تقوم بدورها خير قيام شأن كل المحاكم الجنائية العادية في أي بلد. يعرف الأميركيون أنه لا تصح محاكمة صدام حسين إلا محاكمة سياسية.

كما تعرف الأطراف العراقية المشاركة في السلطة أو المتحالفة مع المحتل ذلك، لكنهم جميعاً يبتعدون ويبعدون المحاكمة كلها عن هذا الإطار لأنهم كما يبدو والغين في أخطاء سياسات النظام السابق ويخشون وضع الأمور والقرارات والسياسات في إطارها الصحيح وشرطها الموضوعي وبالتالي تتحدد أبواب الخطأ من الصواب والجريمة من غير الجريمة وما هي الأدوار التي لعبتها الإدارات الأميركية والقوى الداخلية في تنفيذ هذه السياسات وما مدى شراكتها للنظام في ممارساته السابقة.

لقد أصبح دور الولايات المتحدة في الحرب العراقية الإيرانية معروفاً سواء كان هذا الدور مباشراً أم غير مباشر، وتؤكد الوثائق أن الولايات المتحدة لم تسع لإيقاف الحرب بل كانت تصب الزيت على النار وتحرض هذا الطرف على ذاك وتستهدف القضاء على القوتين الإقليميتين كليهما، وتزود كلاً من الطرفين بالمعلومات عن الطرف الآخر وتسهل لكل منهما الوصول إلى مصادر السلاح، أي باختصار كانت شريكاً في الحرب العراقية الإيرانية ومحرضاً عليها ومستفيداً منها، فكيف تستطيع الآن السماح بعقد محاكمة سياسية لسياسة صدام تجاه هذه الحرب وهي تعلم أن دورها سيتكشف وأنها ستكون أول المدانين، ولذلك فإذا كان لابد من محاكمة للنظام السابق فليحاكم رموزه على جرائم فردية تجاه هذا المواطن أو ذاك وتجاهل السياسات الكبرى للنظام.

وأصبح دور الولايات المتحدة في التحريض على غزو الكويت معروفاً، ودلل محضر مقابلة السفيرة الأميركية في العراق لصدام حسين قبيل الغزو على ذلك وأكد أنها أوحت له بأن يده طليقة في الكويت، وربما أغرته على غزو الكويت وارتكاب مثل تلك الجريمة، ولاشك أن أية محاكمة سياسية لصدام حسين أو لنظامه ستكشف حقائق عديدة عن دور الولايات المتحدة بغزو الكويت وبمجمل الحروب الإقليمية التي شنها صدام ولذلك تعمل على تحويل المحاكمات من سياسية إلى جنائية لا تتعدى مهمتها البحث عن دور المتهم في الاغتيال أو التعذيب أو السكوت عنهما.

من جهة ثانية تعرف الفئات السياسية العراقية المتعاونة مع الاحتلال أن أية محاكمة سياسية لنظام صدام حسين ستكشف علاقاتها الخارجية وتحالفاتها مع أعداء العراق قبل الحروب وبعدها وقبضها الأموال وتزودها بالسلاح من أجل مواجهة النظام والتعاون مع العدو بل والتواطؤ معه مما برر أو قد يبرر للنظام قمع هذه الفئات باعتبارها متعاونة مع أعداء النظام وبالتالي فإن المحاكمات السياسية ستفضح أدوارها وجرائمها التي قد تكون أشد هولاً من أخطاء النظام وممارساته ومما نسب إليه من جرائم، ولذلك عملت ومازالت تعمل على رفض المحاكمة السياسية للنظام السابق وتحويلها إلى محاكمة لجرائم ارتكبت بحق الغير مباشرة أو بشكل غير مباشر مما يبقي التهم التي يمكن أن توجه إليها طي الكتمان.

لهذه الأسباب تحولت محاكمة صدام حسين إلى ما يشبه المهزلة، فالمتهمون هم غير المرتكبين، لأنهم سياسيون كانوا مسؤولين عن قرارات سياسية واستراتيجية وتبقى مسؤوليتهم عن تصرفات عاملين لديهم في جهاز الأمن أو (بلطجية) النظام مسؤولية غير مباشرة، والمحكمة استثنائية ومهماتها في الوقت نفسه لا تتجاوز مهمة القضاء العادي، ولذلك يتلجلج القضاة في المحاكمة فلا هم قادرون على تحويلها إلى محاكمة جنائية عادية باعتبارها شكلت بقرارات عليا، فهي محكمة استثنائية مبنى ومعنى ولا هم يستطيعون تحويلها إلى محاكمة سياسية شاملة، والأغرب من هذا كله أن قانون المحكمة وضعه المحتل وأوكلت حراسة المتهمين والمحكمة لقوى الاحتلال وتتدخل السلطة التنفيذية في تغيير القاضي أو عزله أو تطلب منه التشدد ويختار القضاة من أخصام المتهمين غالباً ويتصرفون كقضاة محكمة دنيا وأنهم الخصم والحكم.

أن يحاكم صدام حسين فهذا أمر طبيعي بعد كل الذي جرى أيام حكمه، لكن ينبغي أن تكون المحاكمة سياسية من جهة، وان تحترم فيها أصول المحاكمات من جهة أخرى، وأن لا تجري في كنف الاحتلال وحمايته من جهة ثالثة، ثم ألا يعرف حكام العراق أن الأميركيين يجرون محادثات تحت الطاولة مع صدام حسين؟

كاتب سوري