صراع جديد يبدو في الأفق بين موسكو وواشنطن بعيدا عن الأرض، وفي هذه المرة يأتي الصراع في الفضاء حول الأجسام والأجهزة الصناعية المنتشرة في الفضاء والتي زاد عددها بشكل ملحوظ في الأعوام القليلة الماضية، ومازالت روسيا وأميركا المتنافسان الرئيسيان في هذا المجال،
وإن كان اهتمام الروس أكثر بهذا المجال وعملهم فيه أكثر ربما بسبب انخفاض تكلفته عندهم بمرات عديدة عنه في أميركا، وقد سبق في العام الماضي أن اعترف الخبراء الأميركيين أنفسهم بتفوق الروس في مجال الأجهزة الصناعية في الفضاء من مركبات وسفن وأقمار صناعية، وهو ما جاء على لسان توماس بيكرينج النائب الأول لرئيس شركة بوينج العملاقة الأميركية المحتكرة لتصنيع وإطلاق الأقمار الصناعية الأميركية بالاشتراك مع وكالة ناسا للفضاء.
الأزمة بين موسكو وواشنطن حول الأجسام الصناعية في الفضاء ومنها الأقمار الصناعية انعكست بشكل غير مباشر على لسان قائد القوات الجوية الأميركية لشؤون الفضاء الجنرال كيفن شيلتون والذي صرح في المؤتمر السنوي للقوات الجوية الأميركية في أواخر أغسطس الماضي قائلا«إن هناك أعداء يحاولون حرمان الولايات المتحدة من مزايا الفضاء الخارجي الذي تعتمد عليه اعتمادا كبيرا في الأغراض العسكرية والتجارية»،
وقال شيلتون إن «هناك جهات تسعى لإغراق الفضاء بالأقمار والأجسام الصناعية بكثافة غير عادية، وأن الكثير من هذه الأجسام يستخدم للتجسس والتشويش على الأقمار الأميركية»، وأضاف قائلا بأن «واشنطن تتوقع في المستقبل أن تصبح أقمارها الصناعية هدفا لهجمات من أعداء أميركا» .
الأزمة الفضائية بين موسكو وواشنطن لها في رأي المحللين جانبين، أحدهما تجاري والآخر أمني عسكري، أما الأخير فقد ظهر مؤخرا في العمليات العسكرية التي تديرها الولايات المتحدة في أماكن مختلفة في العالم حيث أن العديد من التقنيات العسكرية الأميركية الحديثة يتم توجيهها بواسطة الأقمار الصناعية وخاصة صواريخ (توماهوك) الشهيرة،
ويقول يوري زايتسيف الخبير بمعهد الأبحاث الفضائية في موسكو أن« نظام جي بي إس الأميركي للرصد والتوجيه عبر الأقمار الصناعية كان هو مفتاح نصر وتقدم القوات العسكرية الأميركية في العديد من الحروب، وآخرها الحرب في البلقان وفي العراق، إلا أنه على ما يبدو أن هذا النظام أصابه مؤخرا أعطال وخلل لم يفهم الأميركيون أسبابها،
حيث فوجئ الجنود الأميركيون بأن صواريخ توماهوك أصبحت تخطئ أهدافها بشكل كبير، الأمر الذي جعلهم يشكون في وجود أجهزة تشويش فضائية على الأقمار والرادارات التي توجه الصواريخ، وتوجهت أصابع الاتهام في البنتاجون الأميركي إلى موسكو، وخاصة إلى نظام جلوناس الفضائي الروسي».
وكان الرئيس الروسي بوتين قد وجه أوامره مؤخرا للقائمين على قطاع أبحاث الفضاء الروسي بضرورة إتمام المرحلة الثالثة والأخيرة من برنامج نظام الملاحة الفضائية الروسي المسمى «جلوناس» قبل عام 2008، هذا النظام الذي تأسس في زمن الاتحاد السوفييتي وتوقف في عهد الرئيس يلتسين ثم عاد العمل فيه بكثافة في عهد الرئيس بوتين لتنتهي المرحلة الثانية منه في العام الجاري 2006،
وتعهد بوتين بتوفير كافة الإمكانيات لإتمام البرنامج، ويهدف البرنامج إلى مضاعفة عدد الأقمار الصناعية الروسية المزدوجة الاستخدام لأغراض مدنية وعسكرية أمنية، ومن المقرر أن ينطلق ضمن هذا البرنامج نحو 24 قمرا صناعيا قبل نهاية عام 2008، لتصل عدد الأقمار الروسية من هذا النوع إلى 70 قمرا بدلا من 33 حاليا .
قرارات الرئيس بوتين باستكمال البرنامج هي السبب وراء تصريحات واشنطن الأخيرة الغاضبة على لسان قائد القوات الجوية الفضائية كيفن شيلتون التي أشار فيها إلى وجود جهات تسعى لإغراق الفضاء بالأقمار والأجهزة الفضائية الصناعية . ومن المعروف أن روسيا هي أكثر دولة تطلق أقمارا صناعية للفضاء سواء لحسابها أو لحساب دول أخرى، وأن صواريخ الفضاء الروسية تنقل وحدها أكثر من 60 % من الأقمار الصناعية للفضاء،
وأن أكثر من نصف الأقمار الصناعية الأميركية بما فيها أقمار تابعة للبنتاجون تنقلها الصواريخ الروسية، وقد اشترت الولايات المتحدة من روسيا مئة صاروخ من طراز(رد - 191)من شركة إنيرجو ماش الروسية بقيمة تتعدى المليار دولار لنقل الأجسام الصناعية للفضاء الخارجي..
الواقع أن العامل التجاري والمنافسة في السوق العالمية تلعب دورا كبيرا في الأزمة التي افتعلتها واشنطن حول النشاط الروسي المكثف في الفضاء الخارجي في مجال الأقمار الصناعية، إذا كانت الولايات المتحدة نفسها تعتمد على الصواريخ الروسية لنقل أقمارها الصناعية وأجسامها الفضائية للفضاء الخارجي،
فإن عددا كبيرا من دول العالم توجهت لروسيا خلال الأعوام الأربعة الماضية في هذا المجال، ومنها اليابان وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والنرويج وكندا والهند والصين وأندونيسيا وإيران والبرازيل وغيرها، وأبدت تركيا رغبتها في شراء قمر روسي ورفضت عرض شركة الكاتل الفرنسية وعرض شركة إسرائيلية، كما رفضت أنقرة مد العمل بقمر إيكون الأميركي الذي اعتمدت عليه من قبل،
وحتى إسرائيل نفسها بعد فشل تجربتها في إطلاق قمرها الصناعي ( أوفيك 6 ) في سبتمبر عام 2004 وتحطمه في البحر المتوسط لجأت لروسيا في أبريل الماضي تستعين بها وأطلقت من محطة سوفوبودنا الروسية قمرها الذي قيل عنه أنه للتجسس على إيران، وهناك دول عربية تستعين بروسيا في هذا المجال مثل الجزائر ومصر وآخرها السعودية التي أطلقت في مارس الماضي قمرها المخصص للاتصالات على متن صاروخ روسي من قاعدة بايكنور الروسية،
وهناك خمسة أقمار سعودية أخرى سيتم إطلاقهم من نفس القاعدة قريبا، وحتى فرنسا الناشطة في هذه الصناعة عقدت اتفاقا مع روسيا للتعاون في هذا المجال وأعطتها حق تأسيس قاعدة إطلاق في مقاطعة كورو في إقليم غويانا الفرنسي، لتصبح روسيا الدولة الوحيدة التي تملك صواريخها ثلاث قواعد للانطلاق للفضاء في روسيا أوكرانيا وفرنسا.
الغريب إن واشنطن التي تستعين بالتكنولوجيا الفضائية الروسية أكثر من غيرها لا تقبل أن تحتكر روسيا هذا المجال الحيوي المتقدم لأنه يعطي سمعة جيدة للتقنيات الروسية كانت تفتقدها كثيرا في الزمن السوفييتي، كما أنه أمر يثير المخاوف الأمنية والعسكرية حيث تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير جدا على الأجهزة الفضائية في توجيه قواتها العسكرية، ولا تستبعد أن تصبح هذه الأجهزة عرضة للتشويش والتجسس الروسي عليها .
ويتوقع أن تتصاعد الادعاءات الأميركية ضد روسيا حول الأقمار الصناعية، لكنها لن تصل لحد الخلافات القوية نظرا لأن كبرى الشركات الأميركية وعلى رأسها شركة بوينغ العملاقة لا تستطيع في المستقبل القريب الاستغناء عن التكنولوجيا الروسية في هذا المجال بالتحديد.
جامعة سيبيريا