جرت العادة وفق التقاليد السياسية في الولايات المتحدة على تقويم أداء الرئيس خلال المئة يوم الأولى في السلطة، حيث تعتبر هذه الفترة مؤشراً مهماً على كفاءة الأداء للرئيس. ومن الطبيعي أن تعمد الإدارة الأميركية إلى استعمال تقاليدها هذه لتقويم أداء الحكومة العراقية الحالية وتقويم أداء رئيسها نوري المالكي.

لقد واجهت الحكومات المدنية السابقة في العراق (حكومة مجلس الحكم و حكومة علاوي و حكومة الجعفري) فشلاً واضحاً في التصدي للملف الأمني الذي يقف حجر عثرة أمام إنجاز أي تقدم في العملية السياسية في العراق. وإذا كانت الحكومات المشار إليها لم تُمنح الفسحة الزمنية الكافية، فالأولى كانت استثنائية تحت السلطة المباشرة للحاكم المدني الأميركي، والثانية مؤقته والثالثة انتقالية، إلا أن حكومة المالكي، وفق الدستور، لها أن تبقى في موقع المسؤولية كامل الدورة الإنتخابية والبالغة أربع سنوات.

إن أبرز ما يميز حكومة المالكي عن الحكومات التي سبقتها هو طرحها لمشروع المصالحة الوطنية كمدخل لمعالجة الملف الأمني الذي يؤرق الجميع. وقد مضى على طرح هذا المشروع أكثر من مئة يوم لم يتحقق خلالها ما يمكن اعتباره بادرة نجاح، فمستويات العنف في تصاعد مرعب ولا تزال القضايا الأساسية التي يعاني منها العراقيون في حياتهم اليومية على حالها من السوء، وقد يكون من الصحيح القول بأنها قد اندفعت مسافات إلى الوراء.

وبسبب هذا التردي في الوضع الأمني، فقد شهدت الساحة العراقية، في الفترة الأخيرة، زيارات مستمرة ومكثفة، رسمية وغير رسمية، لمسؤولين أميركان ولوفود من الكونغرس على مستويات مختلفة وذلك من أجل جمع الحقائق عن أوضاع العراق و تقويم الاستراتيجية التي رسمتها الإدارة الأميركية لمستقبله، وللتعرف على مدى قدرة الحكومة الحالية برئاسة المالكي على مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، ولإيجاد مخرج للواقع المتردي في العراق والذي بدأ يحرج الإدارة الأميركية ويضع خططها للشرق الأوسط الكبير في مهب الريح.

و في خضم هذه الأنشطة الحافلة بدأت بعض النتائج في الإعراب عن نفسها، على شكل تصريحات على درجة كبيرة من الأهمية من مسؤولين أميركيين، وتتسم هذه التصريحات بسمة جديدة واضحة:

1ـ تصريح السناتور الديموقراطي السابق لي هاملتون وهو الذي شارك جيمس بيكر في التناوب على رئاسة لجنة الحكماء التي أنهت عملها مؤخراً في بغداد، غير المألوف في منتصف الشهر الماضي الذي ذكر فيه بأن «أمام نوري المالكي رئيس الحكومة الحالية فترة ثلاثة أشهر حاسمة، إما أن ينجح في تنفيذ الأجندة التي إلتزم بتحقيقها وفي مقدمتها الأمن والاستقرار، أو سيكون البحث في خيارات أخرى ضرورة لا بد منها».

2ـ تصريح خليل زاد، السفير الأميركي في بغداد، في الثاني من أكتوبر الجاري الذي منح فيه رئيس الوزراء العراقي مدة شهرين فقط لمعالجة الوضع الأمني المتردي الذي لم يعد من الممكن السكوت عليه.

3ـ تصريح وزيرة الخارجية رايس في زيارتها المفاجئة الأخيرة إلى العراق والذي أشارت فيه صراحة بأن على الفرقاء العراقيين الضالعين في العملية السياسية إيجاد حل للتدهور الأمني بدل الأحاديث والحوارات التي لا طائل لها، و ركزت بوضوح لا يقبل اللبس بأنه «لم يعد أمامهم الكثير من الوقت».

فماذا تعني هذه التصريحات التي تخلى فيها مطلقوها عن دبلوماسيتهم، فهي ترقى إلى درجة الإنذارات، إنها في الحقيقة لا تعني غير أمر واحد وهو أن صبر الإدارة الأميركية قد أوشك على النفاد و إن دائرة خياراتها قد ضاقت وقد لا يكون أمامها سوى خيار واحد،

وهو الإجهاز على العملية السياسية التي كانت فخورة بها طيلة الفترة التي أعقبت احتلال العراق. رغم ما قد يسببه ذلك من إحراج لها أمام الرأي العام العالمي و أمام رأيها العام في الولايات المتحدة نفسها، في هذه الفترة الحرجة التي تجرى فيها الإنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي والتي تشهد حملة منظمة للنيل من الحزب الجمهوري لصالح الحزب الديموقراطي.

فكيف يتسنى للمالكي أن ينجز في شهرين مَهمة قد لا يتمكن أحد من إنجازها، ليس هنالك من شك في نواياه الحسنة، ولكن مبادرة المصالحة الوطنية نفسها قد خطت في استحياء منذ إطلاقها فهي قد خلت من البعد السياسي الواقعي الذي يزيد من فرص نجاحها، فقد صيغت بطريقة لا تغضب شركاءه في كتلة الإئتلاف العراقي الموحد من جهة ولا تغضب قوات الاحتلال من جهة أخرى.

هذا إضافة إلى ان من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من الإنحدار نحو الفوضى والعنف في أجواء النقاشات التي تجرى بشأن الفيدرالية، و التي رفعت من حُمى الصراعات وعملت على زيادة حجم الخلافات بين الفرقاء السياسيين تحت قبة المجلس النيابي نفسه.

فهل تنجح حكومة المالكي في تطمين المخاوف الأميركية بخصوص قدرتها على التصدي للوضع الأمني المتدهور؟، فليس هنالك من نجاحات تذكر في مشروع المصالحة الوطنية، وليس هنالك من بوادر على أن بعض دول الجوار التي دأبت على التدخل في الشأن العراقي، قد كفت يدها عن ذلك. وليس هنالك من بوادر على تحسن قطاع الخدمات.

قد تكون زيارة وزيرة الخارجية الأميركية للعراق بداية مرحلة جديدة من تعامل الولايات المتحدة مع مشروعها للشرق الأوسط الكبير، فقد سربت المصادر القريبة من الوزيرة إلى وسائل الإعلام بأنها قد نقلت للرئيس بوش صورة قاتمة عن الوضع في العراق مؤكدة بأن تغيير الحكومة العراقية أصبح الخيار الوحيد أمام الإدارة الأميركية. كما أن من المتوقع كذلك، أن يرسم التقرير الذي تعده لجنة الحكماء التي تناوب على رئاستها كل من جيمس بيكر و لي هاملتون صورة مماثلة، هذا إن لم تكن أكثر قتامة.

يتسم الوضع السياسي العراقي بالجمود، وليس من قبيل الصدف أن يصبح كذلك، فالقوى التي وصلت إلى المجلس النيابي لم تأت بسبب وعي الناخب العراقي واحترامه لقدراتها ودورها في تحمل المسؤولية في هذه المرحلة الخطيرة من تأريخ العراق، كما أنها لم تصل إلى مقاعد المجلس النيابي بسبب كون أفرادها يحملون آمالا ويتحسسون آلام الملايين التي انتخبتهم، وإنما جاءت بفعل سيطرة موجة صفراء من الفرز العرقي والطائفي لعبت الظروف المحلية والإقليمية دوراً كبيراً في تأجيجها.

ولعل من نتائج ذلك أن ضعفت قبضة هذه القوى على الجمهور الذي أتى بها إلى المجلس النيابي، ولم يعد بإمكانها أن تسهم بشكل فاعل في تعزيز الوضع الأمني. كما ان استمرار التردي في قوة الدولة وهيبتها قد دفع الكثيرين للاعتماد على أنفسهم أو لتشكيل ميليشيات تدافع عنهم، فنشأت بسبب ذلك قوى و علاقات و مصالح ترتبط بهذا النمط من التخندق مما أضعف من دور الدولة في التحكم بالملف الأمني.

لا شك أن حكومة المالكي ستكون إحدى ضحايا الغضبة الأميركية، ولكن الضحية الأكبر ستكون العملية السياسية نفسها، وسيكون المسؤول عن هذا الفشل، بالدرجة الأولى، القوى والأحزاب السياسية العراقية الضالعة في العملية السياسية، فقد مارست معظم هذه الأحزاب لعبة خاطئة لم تقدر فيها الثوابت الوطنية، بل سعت إلى الإنفراد بالقرار والإسراع في تسوية أوضاع مثيرة للجدل وفق أجندتها الخاصة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae