كلما أوشكت الفجوة بين حماس وفتح على الانحسار طرأ عامل جديد ليحول دون ذلك، ما يترك انطباعاً بوجود أطراف متضررة من أي وفاق وطني في فلسطين، خصوصاً بعد أن تحول هذا الضرر بمختلف صيغه إلى نمط إنتاج سياسي، وان هذا التجاذب الذي يراوح بين صراع باطني وخلافات إجرائية على السطح، يحدث تحت الاحتلال، وفي أسوأ أوضاع يعيشها الناس حيث يتحالف العدو مع الفقر والبطالة والحصار لزج الفلسطينيين في اليأس، وبالتالي الاهتمام بالصراع الداخلي دون قضية الاحتلال.

فبين الخوف من أزمات جديدة والتفاؤل في تهدئة الجبهة الداخلية على الأقل، ثمة رياح عاصفة تتحين الفرصة لتهب على البيدر الفلسطيني بكل تنويعاته السياسية منذرة بحساسية المرحلة المقبلة وخطورتها، فحالة التجاذب بين فتح وحماس تشهد غلياناً غير مسبوق، فقد أصبح التصريح الواحد فتاكاً وقادراً على إشعال حرب تسمع فيها قرقعة السلاح بعدة أحياء في آن واحد،

وتمتد كالنار في الهشيم بدقائق لكل مكان لتأكل اليابس والأخضر من اعتداء على مؤسسات حكومية وخاصة ومدارس وجامعات ومنازل، وكل من أنصار فتح وحماس يلقي باللوم والعتاب على الآخر، ولا أحد يعرف ما السبب وما الدافع؟اللافت، الذي لا ينظر إليه كثيرون، أن هذا الوضع المحلي غير المسبوق، يجري وسط سجن كببر من الحِصار الذي تفرضه إسرائيل، وهو الحصار الذي امتدّ ليأخذ إجراءً دوليا يُطبّق على الفلسطينيين المخنوقين أصلا.

لعل السؤال الكبير الاستراتيجي الذي يطرق رؤوس الجميع وينهك وعي الجميع هو: لماذا الصراعات والخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية حول الاعتراف بشروط الرباعية..؟! ولماذا يكون البديل المرجح الاقتتال الداخلي..؟ ولماذا تكون الخيارات الفلسطينية فقط ما بين الاعتراف أو الاقتتال..؟

المؤسف في المشهد الفلسطيني الراهن انه في الوقت الذي يواجه فيه الصمود والوجود الفلسطيني اخطر هجوم احتلالي صهيوني يستهدف الشطب الكامل لكل الملف، وفي الوقت الذي يتطور فيه الحصار العسكري القمعي التجويعي الشامل على السلطة والحكومة والشعب الفلسطينين نجد احتقاناً داخلياً وإفشالاً لكل محاولات تجسيد حكومة وحدة وطنية يكون لها ثقل ووزن دولي يساهم في رفع الغبن عن الشعب.

وفي الوقت الذي يحتاج فيه الفلسطينيون كل الحاجة إلى تلاحمهم ووحدتهم وجبهتهم الداخلية في معركتهم الطاحنة في مواجهة بلدوزر الإرهاب الصهيوني والاستيطان والمجازر وحرب الإبادة السياسية الجارية ضدهم تحت ذرائع العنف والإصلاحات وغيرها يتطوع الفلسطينيون أنفسهم ليقدموا غطاء جديدا وذريعة أخرى ومناخا خصبا نموذجيا للحملات الإسرائيلية ـ الأميركية والرباعية ضدهم.

إن الحرب الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني حرب شاملة جذرية لا تبقي ولا تذر في حصادها النهائي، تستهدف ليس فقط حسب مزاعمهم تفكيك البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية، وإنما تدمير البنى التحتية المدنية والأمنية الفلسطينية، ودك مكونات المجتمع الفلسطيني ومقومات الاستقلال الفلسطيني، لدرجة وصفها حتى مفكرون وكتاب إسرائيليون أنها حرب إبادة سياسية ضد الفلسطينيين..

والمنطق الأصح أن حكومة الوحدة الوطنية حاجة وطنية فلسطينية عاجلة نظرا لمجمل الظروف الفلسطينية الكارثية سواء الاقتصادية أو السياسية أو التعليمية نظرا للهجوم الإسرائيلي الاحتلالي الشامل والمستمر على الوجود الفلسطيني برمته .. فلماذا ينجرف الفلسطينيون إلى جدل الاعتراف المسبق بـ «إسرائيل» من دون أن تقوم تلك الدولة والمجتمع الدولي أولا بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية.. وقبل ان تعلن دولة الاحتلال أولا التزامها الواضح بكافة القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين!

فإذا كانت الدولة المحتلة الغاصبة الإرهابية الإجرامية التي تمارس الذبح اليومي ضد الشعب الفلسطيني ترفض الاعتراف والالتزام بالقرارات الدولية.. فلماذا يجب على أصحاب الأرض والحق والقرارات الأممية ان يعترفوا هم بهذه الدولة وبشروطها وان يلقوا بأسلحتهم وأوراقهم المشروعة في حين تحتفظ إسرائيل بكل الأرض والحقوق والأسلحة وترفض كل المواثيق والقرارات .

ولذلك فإن الحقيقة الكبيرة المستخلصة، والاهم هنا ان الوحدة الوطنية الفلسطينية والقيادة الجماعية هي المخرج من المأزق، وهي البديل الذي يوصل إلى شط الأمان الفلسطيني، وان الخلافات والصراعات بين مؤسستي السلطة والحكومة في هذا الوقت العصيب، وفي ذروة المعركة الوطنية في مواجهة الاحتلال هي آخر ما يحتاجه الشعب الفلسطيني، سيما وان الصهاينة على اختلافهم يرحبون بالاشتباك الفلسطيني الداخلي ويعلنون أن الصراع بين الفلسطينيين والمؤسستين يثبت عدم وجود شريك فلسطيني للسلام.