في شهر ديسمبر المقبل تعقد الأمم المتحدة مؤتمراً عالمياً يضم الدول الأطراف في صك دولي لم ينل بعد - في رأينا - ما يستحقه من اهتمام، لا على المستوى الرسمي من جانب الحكومات، ولا حتى على المستوى الأهلي أو الشعبي في دوائر المحللين والدارسين وقطاعات الرأي العام.

الصك الدولي الذي نتوقف عنده في هذه السطور يحمل العنوان التالي: «اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد».سنوات عديدة استغرقتها هذه الاتفاقية.. من أجل إعدادها وصياغتها في قالبها القانوني.. ومن ثم طرحها وتدارسها والتفاوض عليها. وقد أفضت هذه الجهود كلها إلى فتح باب التوقيع على هذه الاتفاقية، بوصفها صكا دوليا ملزما لأطرافها.

وفي شهر ديسمبر من عام 2005 دخلت اتفاقية مكافحة أو مناهضة الفساد حيز النفاذ بعد أن بلغ عدد الدول الأطراف الموقعة عليها 140 دولة بما فيها الدول الأوروبية الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي وعددها 36 دولة.

مع ذلك فالاتفاقية مازالت في مرحلة تمهيدية.. وهي مرحلة مستضعفة إن جاز هذا التعبير. لماذا؟.. لأن هذه التوقيعات تظل بحاجة الى استكمالها بعملية اجراءات «تصديق» من جانب المجالس النيابية أو الهيئات التشريعية في هذه الدولة أو تلك من أجل أن تتحول الاتفاقية إلى صك ملزم حسب نصوص القانون الدولي للدولة القائمة بالتوقيع ومن ثم بالتصديق.

وبعد أن تودع الدولة المعنية وثائق تصديقها لدى الأمين العام للأمم المتحدة يصبح من أولى واجباتها أن تقدم تقريرا دوريا إلى المنظومة الدولية عن مدى التقدم في تطبيق الاتفاقية من حيث ما تتخذه الدولة من إجراءات وما تعتمده وتنفذه من تدابير تشريعية وأمنية واقتصادية وربما تدابير اجتماعية وإعلامية من أجل مكافحة آفة الفساد التي باتت متفشية في أنحاء شتى من العالم الذي نعيش فيه.

ومن عجب أن الفساد آفة لم تعد تستثني الدول الصناعية المتقدمة ولا الدول النامية الفقيرة.. مع ذلك فقد يهون الأمر، في تصورنا عندما تصاب بالفساد، المالي بالذات - دولة غنية وقادرة على الإنتاج الصناعي ومن ثم على التصدير والاضطلاع بدور فعال أو مؤثر في مضمار العلاقات الدولية..

مثل هذه المجتمعات الغنية - المنتجة - التي يسودها رأي عام فاهم ومتابع وقادر على المحاسبة والمساءلة بصورة أو بأخرى يمكن أن تستوعب آفة الفساد وربما تستطيع امتصاص الخطر الناجم عنها.

بيد أن المشكلة الأساسية تكمن في دول الجنوب ومعظمها - كما هو معروف - مجتمعات تعاني الفقر أحيانا، وتكابد التخلف أحيانا وتحل بها كوارث طبيعية أو بشرية في مقدمتها الجفاف ونضوب الموارد ونزوح القدرات وهجرة الكفاءات وندرة رأس المال في أحيان أخرى. راجع كتاب «مصير افريقيا» الذي يرصد فيه مؤلفه الأستاذ «مارتن ميرديث» ظاهرة مؤسية مفادها:

إن ما يكاد يكون جميع أقطار افريقيا، وعددها 50 بلدا ÷ ربما باستثناء كل من جنوب افريقيا وبتسوانا - أصبح حالها اليوم أسوأ بكثير عما كانت عليه أيام السيطرة الكولونيالية التي كانت تفرضها دول الاستعمار التقليدي ما بين انجلترا إلى فرنسا إلى أسبانيا إلى البرتغال.

ورغم أن تلك الأقطار الافريقية تلقت، كما تقول سطور الكتاب المذكور، مئات المليارات من الدولارات على شكل تدفقات من المعونة الأجنبية - سواء من دول بعينها أو من منظومة البنك الدولي التابعة للأمم المتحدة (البنك + الصندوق + المؤسسة المالية الدولية) فإن أوضاعها أصبحت أسوأ ومرافقها أصبحت أكثر فشلا وشعوبها أصبحت أشد تعاسة وفقرا.. ضاعت إذن مع الأسف الشديد - تضحيات المناضلين من أجل الحرية..

وراحت هباء أرواح شهداء الاستقلال وأعمار المكافحين التي قضوا ردحا طويلا منها في سجون الاستعمار من أجل كسر أغلال الهيمنة الأوروبية على أقدار بلادهم ومصائر شعوبهم.

انقضت أيام الحلم الذهبي بالاستقلال والتنمية والتقدم في افريقيا من أجل اللحاق بركب العصر - أيام كان نكروما ينشر كتابه الشهير بعنوان «إني أتحدث عن الحرية»، وأيام كان أحمد سيكوتوري يفخر بأنه مسلم وتقدمي أيضا، وأيام كان الشعراء يرددون اسم جومو كينيانا الذي كان مودعا في سجون الاستعمار البريطاني لكينيا.

. وأيام كان حكيم افريقيا جوليوس نيريري يبشر بذلك الحلم الوطني الجميل في الاستقلال والتنمية.. فيما جاد الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا بحياته في غمار الكفاح لطرد الاستعمار البليكي من غابات الكونغو في غرب القارة السوداء.. العذراء كما كانوا يسمونها..

لم تعد افريقيا قارة عذراء.. انتهك عفافها جحافل الفساد التي تجسدت في عمليات اختلاس واسعة من الخزانة العامة ولاسيما من بنود المعونات الأجنبية وهو ما كان يجري بسبب تهافت نظم الإدارة الحكومية وغياب الرقابة الفاحصة الواعية.. والنزيهة أيضا - من أجل محاسبة المسؤولين..

بل زاد الوضع سوءاً في البلدان النامية بسبب ذلك السلوك الغريب الذي نسميه «استيراد» الفساد متمثلا في الانحراف الأخلاقي من جانب عدد من موظفي المؤسسات المالية الدولية نفسها الذين لم يتورعوا عن التواطؤ مع مسؤولي الدول المتلقية للمعونات من أجل التربح الارتزاقي من أموال تلك المعونات التي قدمت باسم شعوبها دون أن تنال تلك الشعوب سوى نذرها اليسير.

فضلا عما أدت إليه أموال المعونات من نشوء فئات ذات امتيازات طبقية هائلة أطلق عليها البعض ولايزال الوصف الذائع وهو «القطط السمان». والحاصل أن الحرب على الفساد هي حرب طويلة الأمد.

هكذا تعترف الدراسة التي نشرها الأستاذان «و. هانيمان» زميل البحوث الأقدم بجامعة هار؟ارد وزميله «فريتز هايمان» وهو المؤسس - المشارك لمنظمة «الشفافية الدولية». (أنظر مجلة الشؤون الدولية - فورين أفيرز عدد يونيه 2006).

هذه الدراسة ترى أن آفة الفساد كمفهوم وسلوك (مؤثم بالطبع) تقوم على محورين وهما: ـ الرشوة والابتزاز: على أن محللي هذه الظاهرة لا يقفون عند البعد الأخلاقي للفساد وهو انحراف مرفوض بداهة وفي حد ذاته. إنهم يقفون بالذات عند نتيجة تنجم عن هذا الانحراف.. وتلخصها بدورها كلمة واحدة هي:

ـ التشويه. وفي هذا تقول الدراسة التي نحيل إليها:

-الفساد يشوه حركة الأسواق (بمعنى يخلّ بقوانين هذه الحركة وآلياتها). وهو يخلّ أيضا بقدرات المنافسة لأنه يقوم على المحسوبية وشراء الذمم وجبر الخواطر وتغليب الصالح الخاص على المصلحة العامة.

وبهذا يؤدي الفساد إلى إشاعة روح الإحباط ومن ثم التشاؤم في نفوس عامة المواطنين وخاصة أجيال الشباب وهو ما يفضي إلى غياب سيادة القانون ويدمر شرعية الحكومات ويؤدي إلى تآكل نزاهة القطاع الخاص.

ولا سبيل إلى مكافحة الآفة إلا باعتماد آليات واقعية وناجعة وصبورة وذكية ونزيهة أيضا من أجل التصدي لها.. آليات تبدأ بالكشف المستمر عن الفساد وسلوكياته ومرتكبيه ومؤسساته (بالأدق عصاباته.

ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي باتت تضطلع به «منظومة الشفافية الدولية» (ترانسبيرسي انترناشونال) التي تنشر باستمرار تقاريرها الشاملة بجداول تقيس بها درجات الإصابة بآفة الفساد في مختلف دول العالم.

وثاني هذه الجهود هو إنفاذ القوانين وتفعيل الإجراءات التي تقضي بها إتفاقية الأمم المتحدة التي ألمحنا إليها لمكافحة الفساد وفي مقدمتها طبعا نزاهة ودقة وشمول التحقيقات ذات الصلة وتقديم المتهمين الى ساحة القضاء.

أما ثالث الجهود فيتمثل في جانب الوقاية الذي يستلزم بدوره بلورة وإقرار أنظمة الرقابة الفعالة ذات الشكل المؤسسي مع تزويدها بالإمكانات العلمية والتكنولوجية المستحدثة وطبعا بالموارد والكفاءات البشرية القادرة على ممارسة هذه الرقابة بكافة أشكالها دون تمييز أو تشهير (اتفاقية الأمم المتحدة تكفل تقديم المعونة للدول المحتاجة إليها في هذا المضمار).

وبحكم الأهمية الجوهرية لجانب الوقاية المذكور، وفي ضوء ما بات يتسم به من أهمية مبدأ الشفافية بمعنى الوضوح والعلانية والعمل تحت الشمس بعيدا عن منطق التكتيم أو التعتيم - يظل جانب الكشف والعلن وإلقاء الأضواء أمرا أساسيا يستند إلى دور فاعل تضطلع به وسائل الميديا الإعلامية فضلا عن سبل ومؤسسات التوعية والتنوير والتثقيف..

من ناحيتنا نرى أن هذا الجانب يشكل أهمية محورية في مكافحة آفة الفساد التي لم تعد تستثني بلدا أو إقليما في شرق العالم أو غربه.. إنها ثقافة النزاهة وثقافة التعفف عن استغلال المال العام..

وهي الثقافة التي ترتبط - بمصادفة تاريخية وعقيدية سعيدة - بمنظومة القيم التي تنبع من تراثنا الديني والتاريخي المضئ: هي قيم الأمانة والشرف ونقاء الذمة وطهارة الذيل. ولن يتحقق جانب الوقاية الذي ألمحنا إليه إلا بعد أن نوفق في بث هذه القيم الإيجابية النبيلة في نفوس الناس وخاصة أجيال المستقبل.

كاتب مصري