اعترفت وكالات المخابرات الأميركية رسمياً مؤخراً بما كان كل المراقبين المستقلين يعرفونه منذ وقت طويل، وهو أن الحرب في العراق تولد مجندين للعمل الإرهابي على امتداد العالم، وهي تجعل الأميركيين أقل أمناً، وليس أكثر أمناً.
وفي الوقت الراهن يبدأ الأميركيون بفهم ما قامت الإدارة الأميركية بحجبه عنهم منذ وقت طويل، وهي أن انعدام الكفاءة وكذلك الصلف والانقسام الداخلي يصيبها بالعجز عن الحركة والتصرف.
وقد كان غزو العراق والحرب على أرضه ـ وهي حرب كانت من اختيار الرئيس الأميركي في منطقة حرجة من العالم ـ هما الالتزام الذي لم يؤد إلى تقويض سمعة هذه الإدارة فحسب، وإنما سيكون له تأثير أساسي على الأمن الأميركي وعلى الصراع مع تنظيم القاعدة.
على الرغم من ذلك، فإن البيت الأبيض في قيامه بهذه المهمة الحيوية غزا العراق من دون خطة للاحتلال. وعهد بإدارة الاحتلال لا لخبراء، وإنما لمجموعة من الأتباع والموالين، وفضل المؤمنين الحقيقيين بسياسته على أولئك الذين جاؤوا مما وصفه أحد المساعدين في البيت الأبيض على نحو ساخر واشتهر أمره بأنه العالم «القائم على الواقع».
وسخر دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي من المستشارين العسكريين الذين قالوا إن الاحتلال سيتطلب قوة أكبر مما جرى التخطيط له.
وأبعد الخارجية الأميركية عن عملية التخطيط للاحتلال وتعيين المسؤولين عن إدارته، ثم سخر هو نفسه من هذه المهمة. وقد كانت النتيجة هي أن القوات الأميركية دخلت العراق من دون استراتيجية وبغير قوات كافية ولا تدريب ولا معدات للتعامل مع التحرك المسلح الذي أعقب ذلك. وقال رامسفيلد في هذا الصدد إن «الأمور تحدث»، وذلك في معرض التهوين من شأن النهب الذي شكل بداية الفوضى العارمة.
وقامت الإدارة الأميركية من أجل الحد من القوات المرابطة في العراق بخصخصة الحرب إلى درجة لم يسبق لها مثيل. وظفرت شركة هالبرتون وشركات أخرى موالية، بصورة حرفية، بمليارات الدولارات من خلال عقود ظفرت بها من دون مناقصات وبتقديرات مبالغ فيها للمشروعات ومن خلال التعامل مع مصدر واحد.
وكانت النتيجة ـ على نحو ما صورها روبرت غرينفالد في عمل وثائقي فذ يحمل عنوان« العراق للبيع» ـ ليس إهدار مليارات الدولارات فحسب وإنما التضحية بحياة الكثيرين فيما الاحتلال الأميركي يتعرض للشلل.
ويعرف ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي أن أياً من هذا ـ حتى ولو كلمة واحدة ـ لا يمكن الاعتراف به، وذلك هو السر في أن دونالد رامسفيلد لا يزال في موقعه، وذلك على الرغم من التمرد الفعلي في صفوف العسكريين الأميركيين الذين يتنمر رامسفيلد في مواجهتهم.
ووفقاً للصورة الداخلية التي رسمها مؤخراً الصحافي الأميركي بوب وودوارد فإن تشيني قد عارض الجهود الداخلية التي بذلت للتخلص من رامسفيلد لأن أي تغيير من شأنه أن يكون إقراراً بالشك وبالمتاعب التي لا يمكن الاعتراف بها.
وقد عمدت الأغلبية المحافظة التي تسيطر على مجلسي الكونغرس إلى القفز على واجبها الدستوري المتمثل في مساءلة الإدارة، فلم تعقد جلسات استماع معمقة وجادة حول الاحتلال الكارثي .
ولا حول الإهدار الذي تسبب في الشلل للإدارة ولا الغش ولا إساءة استخدام السلطات من جانبها، واختار أعضاء مجلسي الكونغرس الخيار نفسه الذي سبق أن اعتمده تشيني في استراتيجيته، فلا سبيل إلى الإقرار بأي شكوك ولا إلى فرض القابلية للمحاسبة. فالرئيس يقفز وهم يسألون عن مدى ارتفاع قفزته.
ونحن الآن نتعامل مع هذه الفوضى العارمة، ولا يرغب الأميركيون في الإقرار بالتعرض لفقدان الطريق والضياع وأنه تمت التضحية بـ 300 مليار دولار وبحياة حوالي ثلاثة آلاف جندي أميركي مع وجود عشرة أضعاف هذا العدد من الجرحى. ويقول الرئيس:
«واصلوا السير!» وتردد الجوقة المحافظة أصداء قوله. ولكن الدرب الذي يطالبنا الرئيس بمواصلة السير فيه يجعلنا أقل أمناً، حسب ما تبلغنا به وكالات المخابرات، فنحن نبدد حياة الجنود والموارد المتاحة لنا في الوقت الذي نقوي فيه خصومنا. وقد وعد بوش والقادة الجمهوريون بمواصلة السير على الدرب نفسه طوال الفترة الباقية له في منصبه.
وتقول كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية ـ التي يبدو أنها واجهت وقتاً عصيباً في إقناع رامسفيلد بالرد على اتصالاتها ـ تقول إننا قد نبقى في العراق عقداً من الزمن أو وقتاً أطول من ذلك، والبنتاغون تبني قواعد دائمة وليست مؤقتة هناك.
يعارض الديمقراطيون السير في هذا الدرب ولكنهم يكافحون من أجل تقديم بديل. ومن دون وجود رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض فإن كلمتهم ليست موحدة، وحتى لو كان هناك رئيس ديمقراطي فإن كلمتهم لن تكون موحدة. ولكن كما أوضح النقاش في مجلس النواب. فإنه حتى النواب الأكثر محافظة وتأييداً للعسكريين مثل جاك مورثا وأيك سكيلتون يؤيدون الآن تغيير الدرب الذي تسير عليه أميركا.
وبحسب استطلاع أخير أجرته الخارجية الأميركية فإن هناك شيئاً واحداً تجمع عليه غالبية كبيرة من العراقيين وغالبية الجنود الأميركيين، وهو أن الولايات المتحدة يتعين عليها البدء في إعادة جنودها إلى بلادها.
وتظل الإدارة الأميركية في حالة إنكار، ولكن العراق الآن منغمس في حرب أهلية، حيث يتجاوز القتلة العراقيون في أرقام الضحايا التي يتسببون في سقوطها ما قام به المنخرطون في صفوف تنظيم القاعدة.
والجنود الأميركيون لا شأن لهم بهذا الصراع، حيث أن غالبية الشيعة يحكمون قبضتهم على الجنوب، وتتعرض حقوق المرأة للمحاصرة، وقد استولى الأكراد على مقاليد الأمور في الشمال وهم الآن يحظرون رفع العلم العراقي. والسنة لهم النصيب الأكبر في الحرص على إبقاء أجزاء العراق معاً وهم الأكثر حماساً في معارضة الاحتلال الأميركي.
وحتى ما تسمى بحكومة الوحدة التي يشجعها ويقف وراءها جنودنا ومليارات من دولاراتنا قد وقعت اتفاق دفاع مشترك مع طهران التي تصفها الإدارة الأميركية بأنها جزء من «محور الشر».
إن النصر لم يعد ممكناً، ولكن الخروج أصعب كثيراً من الدخول، وهناك أمر واحد واضح، وهو أن الجمع الذي دفعنا إلى هذه الورطة ليس قادراً على إخراجنا منها. لقد آن أوان التغيير.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل: «البيان»