في ظل تضخم أسعار المواد الاستهلاكية، وفي ظل الغلاء غير المبرر الذي يسيطر على الأسواق، فإن الناس أصبحت أكثر دقة من السابق في البحث عن البضاعة الجيدة والأقل ثمنا، حتى ولو كان الفرق يقاس بالفلسات..فتوفير فلس هنا وفلس هناك يتوفر درهم، وتوفير درهم من هنا ودرهم من هناك يتوفر عشرة.. وبهذا المبدأ الذي يبدو أنه بدأ يسيطر على الجميع ستنمو ثقافة تبضع وشراء وتعامل مختلف للمستهلكين مع الأسواق.
ومفردات مثل التوفير، الاقتصاد، التأني قبل الاقتناء، البحث عن الأقل ثمنا، والتخطيط قبل الشراء يبدو أنها ستأخذ مكانها هي الأخرى في حياتنا، طالما نحن نخوض مباراة كبيرة ضد الذين لا يفكرون إلا في شفط ما في جيوبنا من دراهم بدون مبررات مقنعة لهذا التضخم الذي يبدو مفتعلاً وملعوباً في لعبة كبيرة لا أول لها ولا آخر، وفي ظل غياب تقنين للأسعار وحدود للربح أو الفائدة التي يضعها التاجر على بضاعته.
ولهذا فان الناس تتواصى فيما بينها وتذكر بعضها البعض بإمكان وجود البضاعة الأجود والأقل سعراً، والناس بدأت تكتشف أموراً كانت خفية في الأسواق، فمتاجر كبيرة تحمل بضائعها ماركات عالمية، وتبيعها بأسعار باهظة اكتشف بأن بضائعها التي تعرضها بضائع لم تعبر بحاراً ولا محيطات ولم تتكلف مصاريف مواصلات ولا جمارك وليست عالمية أصلا، وإنما هي بضائع مصنعة محلياً وسعرها في معارض مصانعها الأصلية أقل بثلاثة أو أربعة أضعاف.
مثل هذه البضائع اكتشف أمرها الناس واقبلوا عليها في مصادرها الأصلية.. ولهذا ساءت سمعة العديد من المتاجر التي تتشدق بعالميتها، بعدما فطن الجميع إلى أن العملية ليست إلا خداعاً وغشاً واحتيالاً لحلب ما في الجيوب..
المتاجر الكبيرة وجدت في البلاد تسهيلات كبيرة ومنها المصانع التي تعمل بطاقة عمالة قليلة الأجر وكلفة إنتاجية أقل، وبالتالي أصبحت تتحصل على بضاعتها بسعر تكلفة أقل بكثير مما كانت تستورده من البضاعة نفسها من الخارج.. ولهذا وجدت منفذاً لاستغفال المستهلكين والزبائن..
رقابتنا هي الأخرى نائمة عن مراقبة مثل هذا الوضع، ولهذا يسمح للتاجر أن يبيع بضاعة مصنعة محلياً بالسعر نفسه الذي يبيع فيه البضاعة المستوردة.
اما المستهلك فهو الوحيد الذي يصبح فريسة لمثل هذه التلاعبات من جهة، وغياب الرقابة الصارمة من جهة أخرى..
هذا هو الوضع.. وهذه هي الحال، وما على المستهلكين إلا تحمل عناء البحث والتفتيش وكشف مستور الأسواق وألاعيب المتلاعبين.