يحس الأميركيون بالنشوة كلما ابتكروا محورا جديدا وأخذوا يراقبون تصرفات الآخرين باعتبارهم أدوات في اللعبة، وليس باعتبارهم عناصر فاعلة فيها من تلقاء أنفسهم ودون توجيه من أي طرف خارجي. والمحاور أو التكتلات يجيدها الأميركي كما يجيد رواد لاس فيجاس لعبة البوكر، والفوارق ليست كبيرة على أي حال، فالقمار السياسي أصبح هو الغالب على الشأن الدولي العام منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى اليوم.
منذ الحرب العالمية الثانية كانت المحاور موجودة ومعترفا بها كأطر سياسية فعالة جراء الاستقطاب الذي خيم على العالم لنحو 45 عاما، لكن بعد أن دانت الكرة الأرضية لدولة واحدة يدور في فلكها مجموعة من التوابع الكبار أصبحت اللعبة ممجوجة، فلم تعد هناك قوة كبرى يمكن أن تتحلق حولها دول صغيرة لتمثل في النهاية خطرا على المصالح الغربية (التي أصبحت أميركية في معظم الأحوال ).
غير أن مراكز الأبحاث التي تمثل رافدا للقرار السياسي والمعروفة في واشنطن باسم دبابات الفكر لن تتوقف عن عملها، بل تظل تجتهد في خلق أعداء ( حتى لو كانوا متوهمين ) إيمانا منهم بأن العالم الغربي مليء بالتناقضات وما لم يوجد عدو يتوحد حوله الغرب، فإن المنتصرين في الحرب الباردة قد ينقسمون ويتصارعون على نحو ما حدث للمنتصرين في الحرب العالمية الثانية.
ولا يعرف أحد على وجه اليقين ما إذا كانت مراكز( الثنك تانكرز) هذه هي التي تملي على الإدارة الأميركية توجهاتها، أم أن توجهات الإدارة هي التي تخلق حالة فكرية تتماهى معها في تكرار على نطاق واسع لظاهرة علماء السلطان التي عانى منها الفكر الديني العربي على مدي قرون.
ومنذ تسلط المحافظين الجدد على الإدارة الأميركية تزامنا مع فترة حكم بوش الأولى(2001 ) وحتى اليوم اكتسبت لعبة المحاور مذاقا جديدا.. وتميزت بطابعين أساسيين:
الأول تبدو خلفيته دينية توراتية، ويظهر ذلك من حدية هذه المحاور ومن تسمياتها. فمحور الشر (الذي ظهر في عهد ريغان ورمز وقتها إلى الاتحاد السوفييتي) تجدد في وجه محور الخير ورمز هذه المرة إلى دول لا تزال ترفع راية العصيان في وجه التسيد الأميركي ( إيران - العراق - كوريا الشمالية) وبعد أن سقط العراق في قبضة الاحتلال تم إخراجه من المحور بالطبع، وجرى ضم ليبيا بدلا منه.
فلما سلمت برنامجها النووي خرجت ودخلت سوريا بديلا عنها. ومن حيث التسميات خيمت على الأدبيات الأميركية لا سيما الخطب الرئاسية عبارات رنانة تحمل أحيانا مدلولات سياسية أو دينية أبعد ما تكون عن الحقيقة.
كما لم يكن هناك مكان لمحايدين وكما في أدبيات أسامة بن لادن يوجد فسطاطان يوجد في أدبيات بوش فسطاطان لا ثالث لهما ( معنا أو ضدنا).
الثاني أنها أخذت تتدحرج للأسفل من تصنيف الدول نفسها بقضها وقضيضها إلى التصنيف داخل الدول، ففي العراق بعد احتلاله هناك أصدقاء (شيعة وأكراد في الغالب) وأعداء (سنة وبعثيون ودخلاء) ولم تتوقف كرة الثلج على الداخل العراقي فامتدت إلى لبنان (حزب الله وأمل ولحود وعون) في مواجهة (تكتل المستقبل وقوى 14 آذار) ثم فلسطين ( حماس والمتحالفون معها ) مقابل ( تيار أبومازن في فتح وعرابي أوسلو وما بعدها). ولأن المحاور السابقة لم تعد فعالة، ولم تجد التقسيمات بين أنظمة عربية معتدلة وتيارات متطرفة (الإسلاميون والناصريون واليساريون).
جرى التفكير في محور جديد (البنائين مقابل الهدامين). صاحب براءة هذا الاختراع هو فيليب زيليكوف كبير مستشاري وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وكانت المناسبة محاضرة بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، حملت عنوان: (استراتيجيات من أجل حرب متعددة ضد الإسلاميين المتطرفين) ألقيت يوم 15 سبتمبر الماضي، ولم يفت مقدم الندوة أن يشير إلى أنها تأتي على صحوة زلزال شرق أوسطي (حرب إسرائيل ضد حزب الله) وفي مناسبة مرور 5 سنوات على زلزال عالمي (تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 ).
البناؤون حسب المحور الجديد هم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وإسرائيل ودول الخليج العربي مضافا إليهم مصر والأردن وأبو مازن. أما الهدامون في رأيه فيضمون حزب الله وحماس مضافا إليهم سوريا وإيران. وللوهلة الأولى لوحظ أن المحاضرة كان لها صداها الكبير في إسرائيل إذ تخوفت تل أبيب من أن يلزمها التمحور الجديد تقديم ما تعتبره ( تنازلات ) وهو ما استدعى تطمينات من رايس بأن المسألة لا تعدو ( نشر إحساس) بأن الاهتمام قائم بالقضايا العربية ـ الإسرائيلية.
ويبدو أن جولة رايس الأخيرة كانت استكشافية، ومن ثم انتثرت أقاويل عن انها ستعود في غضون أسبوعين لمتابعة ما بدأته.
عربيا كان هناك نفي بالمطلق لفكرة المحور هذه ( على الأقل في تصريحات الرئيس المصري) لكن الأجواء العامة توحي بأن هناك بالحد الأدنى محاولة أميركية - إسرائيلية لتطبيق هذه الفكرة، ربما كان أبرز ملامحها الإصرار الإسرائيلي على أن أولمرت التقى مسؤولا سعوديا كبيرا رغم نفي الرياض المتكرر حدوث لقاء كهذا.
في الغالب يعتمد الأميركيون تكتيك عزل الخصم لينتزعوا منه أقصى تنازلات ممكنة.. هذا حدث مع ليبيا ( في قصة النووي ) ومع منظمة التحرير ( بعد حرب تحرير الكويت) ومع إيران ( خلال الحربين الأميركيتين ضد أفغانستان والعراق) واليوم يحدث الشيء نفسه مع حماس وحزب الله ودمشق وإيران.. ومن بين الدخان تنتثر أقاويل بأن الفرصة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لإبرام تسوية... المهم في نهاية المطاف أن تكون الدول المنضوية تحت تحالف ( البنائين) عناصر فاعلة في اللعبة تعي أهدافها ومخاطرها وتحاول الاستفادة منها وليس مجرد أدوات كما تريدها أميركا على الدوام.
magdishendi@hotmail.com