لم تظهر العراق كمشكلة داخلية أميركية منذ ان بدأت العمليات العسكرية الأميركية بها فبراير عام 2003، كما تبدو اليوم بعدما أصبحت مؤشرا يلجا اليه المواطن الأميركي لإجراء فرز للسياسيين الأميركيين.
وقد أدى هذا المؤشر منذ أسابيع الى سقوط احد رموز الحزب الديمقراطي الأميركي وهو السيناتور جو ليبرمان في انتخابات تمهيدية داخلية حيث اختار الديمقراطيون منافسه المعارض للحرب لكى يكون مرشح الحزب عن ولاية كونتكت،
وهو الأمر الذي دق ناقوس الخطر بالنسبة للساسة الأميركيين الذين بدأوا في اتخاذ مواقف معارضة للحرب في العراق. وزاد على ذلك ان الجمهوريين الذين أيدوا الحرب بدأوا هم أيضا في اتخاذ مواقف تبتعد عن الرئيس الأميركي جورج بوش الذى تدنت شعبيته الى ادني مستوياتها منذ ان أصبح رئيسا للولايات المتحدة بسبب الحرب في العراق، وهى في نفس الوقت ادني شعبية لرئيس أميركي قبيل إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس والتي تأتى عادة في منتصف ولاية الرئيس .
ومن هذة المؤشرات يمكن القول ان الموقف من التدخل الأميركي في العراق ومن استمرار التواجد الأميركي هناك سوف تكون احد المعايير التي سوف يختار على أساسها الناخب الأميركي ممثليه في مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات التى لم يتبق على إجرائها الا اقل من الشهر . وهذا الأمر له علاقة بالعديد من القضايا الداخلية الأميركية وايضا بالاستراتيجية الأميركية للسنوات المقبلة.
وهناك قضايا عامة تطرح حاليا في واشنطن انطلاقا من تعاطي الإدارة الأميركية معها على هامش الموقف في العراق . وعلى رأس هذة القضايا ما هو متعلق بمصداقية هذة الإدارة بعدما ثبت انها كذبت على المواطن الأميركي ودلست على مجلسي الشيوخ والنواب بإعطائهما معلومات مفبركة عن القدرة النووية العراقية حتى يوافقا على التدخل العسكري هناك.
وهذة المعلومات المضللة قدمت من قبل مستويات رسمية أميركية في مقدمتها الرئيس ذاته ، ونائبه ديك تشينى ووزير خارجيتهما السابق كولن باول . ومن القضايا التي تطرح أيضا انطلاقا من العراق ما هو متعلق بالحرب ضد الإرهاب
فبعدما ثبت للمواطن الأميركي انه لم تكن هناك صحة للأطروحات المتعلقة بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل حاولت الإدارة ان توحي للناخب الأميركي بان التدخل العسكري هناك كان ضمن ما تطلق عليه الإدارة الحرب ضد الإرهاب وانها تهدف من وراء ذلك تجميع من أسمتهم بالإرهابيين في مكان واحد من اجل القضاء عليهم قضاء نهائيا في بلادهم او منطقتهم بدلا من ان يهاجموا الولايات المتحدة في عقر دارها كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر.
ولكن جاءت تقارير المخابرات الأميركية ذاتها لتؤكد ان عدد الإرهابيين قد زاد وانهم ازدادوا صلابة في مواجهة الولايات المتحدة مما يؤكد فشل الإدارة على هذا المستوى أيضا وهو ما أعطى شرعية لأطروحات معارضي الحرب الذين علا صوتهم في الداخل الأميركي وزادت حدة انتقاداتهم للإدارة الأميركية .
إضافة الى ذلك أيضا فان الإدارة الأميركية الحالية تكرس جزاء من جهاز الدعاية الخاص بها لكي تبرر للناخب الأميركي موقفها المناهض لإيران وسياستها الساعية الى عزلها على الصعيد الاقليمى، وتمهد الطريق امام إمكانية ان توجه ضربة عسكرية لإيران تتشابه مع تلك التى سبق ان وجهتها للعراق.
ولكن تأتى تفاصيل الوضع في العراق وما تحقق فيه من صعود نجم الشيعة ودورهم وهم الذين تتهمهم الولايات المتحدة نفسها بالتبعية لإيران لتؤكد ان العملية العسكرية الأميركية في العراق أدت الى نتائج معاكسة لما تسعى اليه الولايات المتحدة ذاتها تجاه ايران ،
بما يعني ان كافة الملفات المرتبطة بالعراق تحققت فيها نتائج مخيبة لآمال الإدارة ذاتها وايضا معاكسة لما بشرت به الناخب الأميركي، الأمر الذي يؤدي في النهاية الى فقدان هذا الناخب الثقة بالإدارة التي اشرفت على هذا الف من بدايته وحتى نتائجه الكارثية التى مازالت تجني ثمارها حتى الان .
ويتضح من كل ذلك ان وضع النواب والشيوخ الموالين للإدارة فيما يتعلق بالعراق مهتز بالنسبة للناخب الأميركي الأمر الذى يرحج ان يحدث انقلابا في تشكيل كونجرس الأميركي بمجلسيه بما يضع الرئيس في موقف حرج ويحجم الى حد كبير من غلواء التيار المتشدد في الإدارة ويؤثر على استراتيجيتهم الخاصة بالسيطرة على العالم والتي يقف وراءها تيار المحافظين الجدد داخل الإدارة.
إضافة الى ذلك فان تراجع الجمهوريين ، ان حدث ، يمكن ان يعطي زخما مبكرا للانتخابات الرئاسية الأميركية التى من المقرر إجراؤها بعد عامين ، فضلا عن ذلك فهو سوف يؤثر على مواقف متعددة للإدارة نفسها فيما يتعلق بانحيازها لبعض الشركات الكبرى خاصة تلك التى كان يعمل بها كبار رموز الإدارة، مثل كوندوليزا رايس وديك تشينى وغيرهم .
وهذه الشركات كانت هى المستفيد الأكبر من العملية العسكرية الأميركية ضد العراق وأيضا من عقود الاعمار والنفط بعد سقوط النظام العراقي السابق، وهذا الأمر اى استفادة هذة الشركات المرتبطة برموز الإدارة كان احد العناصر التى جعلت من العراق أزمة داخلية أميركية ظلت تتصاعد حتى وصلت الى ما هى عليه الان وكان واحدا من الأطروحات التى استخدمها معارضو الإدارة لتوجيه الأسهم لها لتأكيد ان عوامل اقتصادية وذاتية هى التي تقف وراء الحرب وليست عوامل متعلقة بتهديد العراق للأمن العالمي .
ومن الممكن القول ان انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي سوف تكون هى النقطة المفصلية التى سيتحدد بعدها ما اذا كانت كرة الثلج الخاصة بالعراق سوف تتضخم ام انها سوف تنتهي لصالح هذة الإدارة، التي تفيد تجربتها انها محظوظة فيما يتعلق بالخروج من المشكلات الكبرى بأقل قدر من الخسائر. فهل يتكرر ذلك هذه المرة ايضا ام ان التجربة سوف تختلف ؟!
كاتب مصري