يزعم فقهاء العلاقات الدولية وشُرّاحُها في عالم الغرب، على جانبي الأطلسي،بأن العقلانية والرشد والتدبر العلمي من أبرز ما يميز عملية صناعة القرار الخارجي في دولهم الديمقراطية. التصور السائد لدى هؤلاء والكثير ممن يهتدون بهداهم في الدوائر الأكاديمية النظرية والحركية السياسية لدول الجنوب، أن قرار التعامل مع قضية بعينها تهم المصلحة الوطنية في الديمقراطيات الحقة، لا يصدر إلا بعد دراسة وتمحيص تحول بينه وبين الخطأ إلى أبعد الحدود.

وفي هذا الإطار، تجري مقاربات ومقارنات تزخر بالسخرية من الأسلوب المتبع في اتخاذ القرارات لدى «ديكتاتوريات» دول الجنوب عموما، حيث يستعاض برؤى «الزعماء الملهمين» وبعض مريديهم وأتباعهم من المنافقين كبديل لادوار المؤسسات ومراكز البحث والتدبر السياسي المعمق والمعقد في نظم الشمال!.

يدفع فقه السياسة الغربي عامة بأن القرارات التي يفترض أن تبحر بها الدول في لجة المحيطات الخارجية، أخطر من أن تترك وديعة في يد رجل أو بضعة رجال أو حتى مؤسسة واحدة، مهما كانت فطنتهم وحظوظهم من الحكمة.. إذ لابد لسلامة التقدير وتلافي غواية الأهواء الذاتية من تلاقح أفكار مجموعات من أهل الدراية العلمية والخبرة العملية.

ولا يشترط هذا الفقه أن يكون المعنيون بهذه الفكرة العملية وما تستلزمه من جهد ووقت ومعلومات ضمن الدوائر الحكومية بالتحديد. ومن هنا يأتي التعويل على أدوار ما يعرف ببيوت الخبرة ومراكز الدراسات والبحوث، التي تضطلع بتزويد هذه الدوائر بحصاد جهودها بشأن قضايا قد يعز على صناع القرار الحكوميين تبين ظاهرها وباطنها بالدقة الواجبة.

لا يستطيع المرء أن يطالع كل هذه الاحتياطات والإجراءات الاحترازية التي تحف جدلا بصناعة القرارات لدى الديمقراطيات، دون أن تلح عليه بضعة تساؤلات، منها بلا حصر ولا ترتيب: ما الذي يسوق الساسة هناك، مثلا في الولايات المتحدة وبريطانيا التي كانت عظمى، إلى اتخاذ قرارات خاطئة؟، ولماذا يضل هؤلاء سواء السبيل عند مقاربتهم لبعض القضايا التي تكلفهم والكثير من الخلق معهم أثمانا باهظة، مادية ومعنوية؟.

وأهم من ذلك، لماذا يصرون على خطاياهم وضلالاتهم ويميلون إليها، رغم توفر النصائح والتقديرات الوازعة والرادعة بين أيديهم ومن خلفهم؟. ألا يصح والحال كذلك، التشكيك في مقولات فقه الديمقراطيات بخصوص ضوابط صناعة القرار في الدول الغربية مقارنة بعشوائية وسلطوية هذه الصناعة في ديكتاتوريات الجنوب وشمولياته؟..

ما أهمية دراسات الجدوى وتقديرات الحالة التي تزود بها مراكز البحوث مؤسسات صناعة القرار في عواصم الديمقراطيات، طالما أن مصيرها التجاهل وغبار الرفوف والأدراج ؟. وقبل هذه التساؤلات وبعدها، على من نلقي اللوم والمعاتبة المريرة، عندما يتخذ المسؤولون وأهل الحكم قرارات ومواقف ضررها أكبر من نفعها، تكلف الشعوب أرواحا وموارد، بل وتخصم من تاريخها وسمعتها وتجلب عليها الكراهية وأحيانا العار،على هؤلاء المسؤولين أم على مستشاريهم وناصحيهم من أصحاب العلم والخبرة؟!.

خذ عندك مثلا ما جرى ويجري في سياق الحالة العراقية، فقبل غزو العراق، توفر للإدارتين الأميركية والبريطانية تراكم معرفي معلوماتي يكفي لإثنائهما عن قرارهما. وكي تمضى الإدارتان إلى ما عقدتا عليه العزم، تعمدتا اللجوء للأكاذيب وأحاديث الإفك والتلفيق على ما بات معروفا في وقت لاحق. لقد كانت التوقعات بشأن صعوبة تحديد مسار العراق سياسيا واقتصاديا وثقافيا، مبسوطة أمام الإدارتين.

أي أن معظم الجهات الاستشارية لم تقصر في تبصير واشنطن ولندن والمتذيلين لهما بعواقب ما بعد السيطرة العسكرية على العراق وإزاحة نظام صدام حسين. وكان من المؤكد أن الجوانب العسكرية للغزو هي الفصل الأسهل في مقاربة هذه الحالة ومع ذلك حدث ما حدث، فكان الغزو بغض النظر عن نصح الناصحين. أين هي إذن العقلانية والرشد وحسن التبصر والتدبر في هكذا قرار؟. بل أين الفرق بين العوامل المكونة لهذا التصرف الأنجلو أميركي (الديمقراطي) وبين سلوك نظام صدام الشمولي حين اجتاح الكويت من قبل؟.

والأهم في مقام هذا المثل، هو إصرار إدارتي الغزو والحروب الإستباقية ومطاردة الإرهاب والإرهابيين في واشنطن ولندن على سياستيهما، برغم ثبوت فشلهما الذريع في معالجة الحالة العراقية، وكذا الأفغانية أيضا .. وبالطبع فإن اسرائيل ليست بعيدة عن هذا التصور . كل الهيئات الفكرية الإرشادية المختصة تجمع على هذه النتيجة البائسة، وتوجه العواصم الديمقراطية المعنية إلى ضرورة المراجعة وعدم الإفراط في مخادعة الذات وصولا إلى البحث عن طريق الخلاص من ورطات صنعوها بأنفسهم!.. لكنك لا تسمع لو ناديت حيا أو عاقلا أو غير أحمق.

في كل حال، هناك في السيناريو العراقي ما يثير التساؤل عن مدى عقلانية ورشادة صناعة قرار السياسة الخارجية في أقدم الديمقراطيات وأعرقها. ويتداعى عن هذا السيناريو المقيت تساؤل رديف يتعلق بصحة الإدعاء بأن صناع القرار في الديمقراطيات يستمعون إلى نصائح وإرشادات الهيئات البحثية المحايدة، ويتبعون أحسنها وأكثرها موضوعية وتجردا.

من إجابة هذين التساؤلين نفهم أن الجماعات والنخب ذات المصالح المادية أو الإيديولوجية مبثوثة، او يمكن العثور عليها، في الديمقراطيات والديكتاتوريات.. وأن هذه الجماعات لا تتورع، حتى في أعتى الديمقراطيات، عن متابعة السياسات واتخاذ القرارات المواتية لأهوائها ونوازعها ومصالحها الضيقة، التي لا يرجى منها خدمة أهداف ظاهرة للأمة والدولة.

ثم إنها تعمد إلى توظيف أدوات إعلامها ودعايتها ودبلوماسيتها في سبيل الترويج لهذه السياسات والقرارات وبيعها للرأي العام وتضليله، زاعمة أنها تبغي الحفاظ على مصالحه وقيمه.. وغالبا ما تتحمل الشعوب فاتورة كبيرة قبل أن تكتشف الحقيقة

كاتب وأكاديمي فلسطيني