بعد سبعة أشهر من الحصار الشامل المضروب حول الأراضي الفلسطينية كرد فعل مؤلم وصارم على نتائج الانتخابات التشريعية التي وقعت في الخامس والعشرين من يناير هذا العام، وأفضت إلى فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، تعلق الفلسطينيون نحو الأمل بتوصل القوتين الرئيسيتين فتح وحماس إلى اتفاق بإقامة حكومة وحدة وطنية، تشكل المخرج الوحيد المتاح لتخفيف الحصار والخروج من أزمتهم الخانقة والمتفاقمة.

الحوار بين الحركتين الكبيرتين كان قد توصل إلى اتفاق على سبع نقاط تشكل أساس البرنامج السياسي لحكومة الوحدة، وهي في الأساس مشتقة من وثيقة الوفاق الوطني التي كانت قيادات الحركة الفلسطينية الأسيرة قد بادرت لصياغتها وتقديمها لكافة أطياف العمل السياسي الفلسطيني.

النقاط السبع لا تتضمن الشروط التي طرحتها الرباعية الدولية وإسرائيل على حكومة حركة حماس، وهي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والاعتراف بالاتفاقيات التي وقعتها السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، بالإضافة إلى نبذ ما يسمى بالعنف والإرهاب، غير أنها كانت كافية، لإبداء قدر من الاعتدال الذي يسمح بتحريك المواقف الدولية المتشددة، وهو أمر قد حصل فعلاً حيث رحبت أوروبا بحكومة وحدة وطنية وأبدت استعداداً لدعمها بقدر تقدمها على طريق تلبية الشروط الدولية، فيما خففت الرباعية الدولية من شروط استعدادها للتعامل مع حكومة كهذه.

من بين أهم النقاط التي جرى الاتفاق عليها بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة إسماعيل هنية، إبداء الاستعداد للتعامل مع الشرعية الدولية، ومع المبادرة العربية واحترام الاتفاقيات التي وقعتها المنظمة والسلطة، وإحالة ملف المفاوضات السياسية لمنظمة التحرير ومؤسسة الرئاسة الفلسطينية، وكان ذلك يشكل نوعاً من المساومة بين برنامجي الرئاسة والحكومة، ويقدم شكلاً من أشكال الشراكة السياسية، بدون أن تضطر حركة حماس أو حركة فتح، إلى التخلي عن برامجها السياسية، أو أن تنقلب عليها.

في حينه عبر الرئيس عباس عن تفاؤله وسعادته بالاتفاق، وغادر لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحيث أجرى لقاءات موسعة مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، ومع الرئيس بوش ووزيرة خارجيته، ومع أطراف الرباعية الدولية، في محاولة بدت ناجحة لتسويق الاتفاق، ولإحداث اختراق في جبهة الحصار الدولي وبحيث توقع الفلسطينيون أن تتغير ظروفهم إلى الأفضل.

غير أن انتكاسة وقعت في السياق، وأعادت الأمور إلى نقطة الصفر، خاصة بعد أن تضمنت كلمة الرئيس عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعداً بأن تعترف أية حكومة فلسطينية قادمة بحق إسرائيل في الوجود، ورد حركة حماس عليه بالتراجع عن موافقتها على المبادرة العربية، فضلاً عن سيل من التصريحات التي تؤكد التزام حماس برفض الشروط الدولية ورفض الاعتراف بإسرائيل.

وبدلاً من أن يعود الرئيس عباس من نيويورك لمتابعة الحوار بشأن تشكيل وإعلان حكومة الوحدة، آثر أن يعرب عن احتجاجه على تصريحات وتراجع حركة حماس، عبر إرسال ممثله الشخصي روحي فتوح إلى غزة لمتابعة حوار سرعان ما انقطع بإعلان فشله، فيما غادر هو إلى جولة عربية شملت مصر وقطر والكويت والأردن، لوضع المسؤولين العرب في صورة التطورات، ويطلب منهم المساعدة في الضغط على حماس من أجل تليين مواقفها وسياساتها.

على أن تأزم الوضع السياسي، وتراجع الآمال بشأن حكومة الوحدة الوطنية، ترافق مع تصعيد كبير في حركة الموظفين العموميين الذين يحتجون منذ أسابيع على عدم صرف رواتبهم لفترة سبعة أشهر، وتضاؤل الأمل بحل هذه الأزمة بعد الانتكاسة التي أصابت الحوار حول حكومة الوحدة.

خلال هذه الفترة نشأت وتصاعدت أجواء صعبة من الاتهامات، وعملية التحشيد والتحريض، وإثارة العصبويات، واندلاع الاشتباكات، بما أدى إلى تعميق أزمة الثقة، وتعميق حالة الإحباط لدى المواطنين، وظهور مؤشرات قوية على اتساع نطاق الشباب الراغبين في الهجرة إلى الخارج بعد أن هرب من الأراضي الفلسطينية جزء كبير من رأس المال الوطني، والكثير من ورشات العمل والمصانع بلغ عددها نحو ألف ورشة ومصنع.

يوم الأحد الماضي، الأول من هذا الشهر، كان يوماً أسود على أهالي قطاع غزة، فقد اندلعت الاشتباكات على نحو دام وشامل، حيث قامت القوة التنفيذية التابعة لوزير الداخلية، بالتصدي بالقوة للمحتجين من أفراد القوات الأمنية، مما أوقع أحد عشر شهيداً وإصابة أكثر من مئة وثلاثين آخرين. الأجواء الحربية التي سادت قطاع غزة، جعلت الكثيرين يعبرون عن قلقهم من اندلاع حرب أهلية، خصوصاً وقد تصاعد الحديث عن خيارات أخرى غير خيار حكومة الوحدة الوطنية، من نوع أن يقدم الرئيس على إقامة حكومة طوارئ، أو أن يدعو إلى انتخابات شاملة مبكرة.

وإذا كان من المستبعد اللجوء إلى الخيارات الأخرى، لكونها تشكل وصفة أكيدة للذهاب نحو الحرب الأهلية، فإن خيار حكومة الوحدة يظل هو الخيار الوحيد المطروح والسليم لكونه الخيار الوحيد الذي يتم بالتوافق، وهو الخيار الوحيد الذي يمكن من خلاله، إعادة بناء الشراكة السياسية والنظام السياسي الفلسطيني، وإبعاد شبح الحرب الأهلية.

ويبدو أن القيادات السياسية تدرك بأن إمكانية حل ازدواجية السلطة، لا يمكن أن يتم من خلال استخدام السلاح والقوة، إذ أن من الصعب على أي قوة أن تتغلب على القوة الأخرى، بدون أن تتعرض لخسائر ضخمة ومخاطر كبيرة. إذاً حكومة الوحدة هي محطة سليمة لتحقيق شراكة مؤقتة يمكن من خلالها تجاوز الحرب الأهلية وفي الوقت ذاته تؤمن لحركة حماس الاستمرار في الحكم ولحركة فتح والرئاسة أن تتحرك سياسياً وعلى صعيد المبادرات والمفاوضات.

القيادات السياسية أيضاً عليها أن تدرك بأن ثمة أوضاعاً جديدة تنشأ على مستوى السياسات والاستراتيجيات الدولية والإقليمية، فالإدارة الأميركية أخذت تحزم أمرها باتجاه تصعيد دورها وجهدها في العملية السلمية التي خضعت لإعادة نظر، خصوصاً بعد لقاء الرئيس بوش بالرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الذي كان قد طرح أفكاراً للحل قبل رحيله عن البيت الأبيض قبل ست سنوات.

أوروبا مستعدة للتحرك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير يعلن أنه سيكرس ما تبقى من وجوده على رأس الحكومة من أجل عملية السلام في الشرق الأوسط، وعدد من الدول العربية الأساسية باتت أيضاً تحزم أمرها باتجاه يتوافق على ضرورة إعادة بناء وإحياء العملية السياسية.

رايس زارت المنطقة قبل أيام، وتتخذ حركتها طابعاً جدياً وجديداً وكل ذلك تمهيداً لجهد ينوي الرئيس بوش القيام به قبل نهاية هذا العام إما بزيارة المنطقة أو استدعاء عدد من زعمائها إلى واشنطن، أما إسرائيل فتبدو عبر (هزيمتها) في الحرب مع حزب الله أكثر استعداداً لفتح صفحة جديدة من المفاوضات مع الرئيس محمود عباس، وأكثر استعداداً للتعاطي مع خارطة الطريق، والمبادرة لتقديم تسهيلات للفلسطينيين لم تكن تسمح بها من قبل.

القطار الدولي والإقليمي السائر نحو إعادة إحياء العملية السلمية، قد أخذ يتحرك فيما الفلسطينيون منشغلون بصراعاتهم وانقساماتهم الداخلية التي تشير المعطيات إلى أنها تتجه نحو الأسوأ ما لم تبادر القيادات المعنية لتدارك الأمور. إن من يتابع حصيلة الفوضى الداخلية، وغياب القانون وفوضى السلاح، والاشتباكات والمشكلات الداخلية التي وقعت في قطاع غزة لوحده خلال السنوات الأخيرة سيعثر على المعطيات المقلقة التالية: في عام 2003 سقط عشرون قتيلاً و113 جريحاً، في عام 2004 بلغ عدد الضحايا 57 والجرحى 178، وفي عام 2005 بلغ عدد الضحايا 101 والجرحى 895، أما في ما مضى من عام 2006 حتى 19/9/، فقد بلغ عدد الضحايا 133 وعدد الجرحى 781.

وفي الأخير لابد للفلسطينيين خصوصاً حركتي فتح وحماس، من أن يجدوا لأنفسهم صيغة من الشراكة السياسية في الحكم تسمح بالاعتراف والتعاطي الإيجابي مع نتائج العملية الديمقراطية من ناحية وهذه لصالح حماس، وتأمين القدرة على التحرك السياسي مع الوضعين العربي والإقليمي ومع المجتمع الدولي، من خلال سياسة واقعية وهذه لصالح فتح، وإلا فإن تصاعد الخلافات من شأنه أن يهدد مصير الفلسطينيين، قضيتهم وحياتهم.

كاتب فلسطيني