صرح إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل قائلاً طالما أنا في منصبي سيبقى الجولان في أيدينا لأنه يشكل جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل، وقد مر هذا التصريح الخطير دون أن يرد عليه أحد فلا احتجاج سياسي ولا صرخة صحافي ولا حتى استهجان من الناشطين في الحقل العام على مختلف تنوعاته، خاصة وأن الرسالة المباشرة من هذا التصريح تعني أن ليس هناك أي احتمال لعقد اتفاقية سلام مع سوريا لا حاضراً ولا مستقبلاً طالما أن رئيس الحكومة الإسرائيلية ينطلق من رفض إعادة الأراضي المحتلة من الجولان إلى السيادة السورية.

تبلغ مساحة هضبة الجولان (1750) كيلومترا مربعاً وهي جزء من محافظة القنيطرة السورية، احتلت إسرائيل منها في عدوان يونيو 1967 حوالي (1250) كيلومترا مربعاً، استعادت منها سوريا في حرب أكتوبر حوالي (100) كيلومتر وبقي تحت الاحتلال الإسرائيلي ما مساحته (1150) كيلومترا مربعاً أي ما يقارب أربعة أضعاف مساحة قطاع غزة.

اتخذ الكنيست الإسرائيلي قراراً في ديسمبر 1981 ضم بموجبه هضبة الجولان المحتلة إلى إسرائيل واعتمد سلطات سياسية بدلاً من السلطات العسكرية وفرض القوانين الإسرائيلية عليها ورفع قوانين الاحتلال، وبقيت أربع قرى سورية في الجولان على سفح جبل الشيخ لم يهجّر أهلها بسبب صعوبة تهجيرهم في الأيام الأولى للاحتلال لأسباب جغرافية وقد قارب عددهم الآن 20 ألف نسمة ونزح سكان الجولان الآخرون ويبلغ عددهم مئات الآلاف ينتشرون في المحافظات السورية الأخرى، وأقيم في الجولان 33 تجمعاً بين كيبوتز وموشوفيم ومستوطنات يقارب عدد سكانها السكان السوريين المتبقين أي حوالي 20 ألفاً.

خلال ما يقارب الأربعين عاماً من الاحتلال طرح رؤساء الحكومات الإسرائيلية مبررات عديدة ومتباينة في معظم الأحوال عن الأسباب المزعومة للاحتفاظ بالجولان، فقد رأى اسحق رابين أن الاحتفاظ بهضبة الجولان أمر ضروري لأمن إسرائيل، ورأى شمعون بيريز أنها ضرورة اقتصادية كبرى خاصة لكثرة مياهها السطحية والباطنية التي تغذي المجاري المائية في إسرائيل ولخصوبة أراضيها الزراعية وهذا ما أكده موشي دايان عندما قال (لم نكن نفكر بصعود الهضبة بل كنا نفكر بأرض الهضبة) أي أننا لم نكن نريد صعودها لأسباب أمنية بل كنا نريد احتلالها لأسباب اقتصادية، أما إيهود باراك فقد قال إن مياه هضبة الجولان هي الأهم بالنسبة لإسرائيل، وقد حاول خلال المحادثات مع سوريا فصل خطوط الانسحاب عن الاحتفاظ بمصادر المياه أي أنه كان يسعى لوضع اليد على مصادر المياه حتى لو انسحبت قوات الاحتلال منها، وكان نتنياهو يصر على أن هضبة الجولان هي جزء لا يتجزأ من (خريطة أمن إسرائيل) ومن (مساحاتها الدفاعية)، بينما انسجم أرييل شارون مع نفسه عندما أعلن أن هضبة الجولان هي جزء من أرض إسرائيل التوراتية تماماً كما فعل مناحيم بيغين عندما قدم مشروعه للكنيست لضم الجولان وكان رئيساً للحكومة آنذاك.

وهكذا نلاحظ عدم وجود الانسجام أو التوافق بين آراء رؤساء الحكومات الإسرائيلية في تبرير ضم الجولان مما يعني أن المبررات مفتعلة والأسباب كاذبة وأن القضية سياسية لا هي أمنية ولا اقتصادية ولا تاريخية ولا حتى دينية، وقد تكون خليطاً من هذه الأسباب دون ترجيح سبب على آخر في إطار الاستراتيجية الإسرائيلية الجائعة دائماً لضم الأراضي حتى لوكان ضمها يضر استراتيجياً، وتلك على أية حال ثقافة إسرائيلية تراكمت خلال قرن من محاولات هيمنة الحركة الصهيونية على إسرائيل، وقد دخل في عمق الثقافة الإسرائيلية خلال هذا القرن ضرورة التمسك بكل ما تقع عليه يد الإسرائيليين، أو ربما هي امتثال لأسطورة (أينما تطأ قدماك فهو ملكك كما أوصى الرب إبراهيم حسب هذه الأسطورة).

نعود لتصريحات إيهود أولمرت رئيس الحكومة الإسرائيلية حول الجولان والتي لا تصدر في الواقع عن عاقل، فالأراضي المحتلة من هضبة الجولان هي أراض سورية معترف بها من الأمم المتحدة وليست أراض مختلف عليها كما هو شأن التفسير الإسرائيلي للوضع القانوني للضفة الغربية وغزة، ولم تعترف دولة واحدة في العالم بمافي ذلك الولايات المتحدة بضم هضبة الجولان، وحتى السياسات الإسرائيلية المنفذة فعلاً تؤكد أن إسرائيل رغم ضمها للهضبة مازالت تتعامل معها بأن وجودها مؤقت فيها، فخلال عشرات السنين لم تفتح أبوابها للمستوطنين الذين لم يتجاوز عددهم عشرين ألفاً في مدة أربعين عاماً ولم تقم مشاريع اقتصادية كبيرة فيها، وحتى المياه التي تشكل جزءاً كبيراً من أهمية هضبة الجولان بالنسبة لإسرائيل لم تشهد السياسة الإسرائيلية تجاهها إقامة مشاريع كبيرة كبناء الخزانات أو إقامة مشاريع لتغذية البحيرات الشمالية في إسرائيل، ولم تطرح الحكومات الإسرائيلية خلال المحادثات التي جرت مع سوريا بدءاً من عام (1991) حتى توقفها في عام (2000) أن الهضبة إسرائيلية بل كانت أولويات الوفود الإسرائيلية تهتم في خط الحدود عند شواطئ بحيرة طبرية، والبحث عن طريقة للاستفادة من مياه الهضبة السطحية والجوفية، وغير ذلك فلم تنطلق الوفود الإسرائيلية ولا مرة من بعيد أو قريب من أن الهضبة مضمومة لإسرائيل أو جزء من أراضيها لا التاريخية ولا المعاصرة ولا غيرها، أي أن الحكومات الإسرائيلية أقرت رسمياً بضم الهضبة وتصرفت فعلياً على أساس أنها أراض محتلة، وهذا ما يؤكد تهافت تصريح أولمرت وبعده عن الواقع وأن أولمرت يتحدث خارج النص وخارج الشروط الحالية للظروف السياسية القائمة، فإذا كان يؤكد مسبقاً أن هضبة الجولان إسرائيلية فعلى ماذا يفاوض السوريين إذاً، وإذا كان الدعم السوري للمقاومة الفلسطينية هو دعم للإرهاب فماذا يمكن أن نصف تصريحات أولمرت سوى أنها تغلق الباب أمام أية تسوية مهما كانت سوريا (معتدلة) فبعد ضم الجولان لم يعد هناك شيء يتم التحاور حوله. وسواء كان أولمرت يبحث في تصريحاته هذه عن مكاسب داخلية بعد فشله في لبنان أم يفتش عن دور يعمده واحداً من زعماء إسرائيل التاريخيين، أم يريد إعطاء طابع ما لشخصيته التي بدت أنها الشخصية السياسية الوحيدة في تاريخ إسرائيل لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، وجاءت إلى السلطة بمحض الصدفة دون تاريخ يذكر لا عسكري ولا مدني اللهم باستثناء رئاسته لبلدية القدس ومهما كانت أسبابه فإن الملفت للنظر أن تصريحاته لم تجد رد فعل يتناسب مع خطورتها لا على سوريا فحسب بل على العملية السلمية كلها، فلم يشجبها بيان رسمي ولا احتجاج سياسي ولا مذكرة لمجلس الأمن ولا مقال صحافي وكأن الجولان على طريق النسيان

كاتب سوري