تتوجه العديد من الدول إلى القارة الأفريقية لفتح أسواق ومجالات للاستثمار فيها، والكثيرون وخاصة الدول الكبرى الصناعية تتوجه إلى القارة السوداء بحثا عن الثروات الطبيعية ومصادر الطاقة وخاصة النفط، وكل الدول تسلك مسلكا وحيدا في توجهاتها نحو الدول الأفريقية وهو المسلك الدبلوماسي للوصول لاتفاقات مع هذه الدول، بمعنى الاحترام الكامل لسيادة هذه الدول الأفريقية الصغيرة منها والكبيرة والفقيرة منها والغنية،
وأيضا عدم التدخل في شؤونها الداخلية، فقد مضى العهد الذي كان يمكن فيه الحصول على ثروات هذه القارة السوداء بالقوة وبمجموعة من العسكر يهبطون ببنادقهم على شاطئ البحر ويخيفون الأفارقة ويستعبدونهم ويسرقون ثرواتهم. الآن أصبحت الدول الأفريقية ذات سيادة وأنظمة حكم ومؤسسات دولة وجيوش حديثة وشعوب متعلمة، وأصبح رؤساء أكبر الدول يذهبون بأنفسهم لزيارة هذه الدول ولعقد الاتفاقات معهم، وهذا ما فعله مؤخرا زعماء فرنسا والصين وروسيا وغيرهم في جولاتهم في بلدان القارة السوداء، ولكن على ما يبدو أن هناك من لا يزال يعتقد أن هذه الدول ليست دولاً وشعوبها ليست شعوباً، ولا سيادة لها، وأن ثرواتها يجب أن تسلب منها بالقوة لتخدم مصالح الرجل الأبيض زعيم الإنسانية وراعي حضارتها.
جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) واجهت مؤخرا في مايو الماضي محاولة من محاولات التدخل السافر وغير القانوني من قبل الدولة العظمى الكبرى الولايات المتحدة الأميركية، هذه الجمهورية الواقعة في وسط أفريقيا والتي تملك ثروات طبيعية كبيرة مثل الألماس والنحاس والكوبالت، كما تملك ثروة نفطية واعدة، ورغم هذا فإن شعب الكونغو يعاني من الفقر والمرض وسوء التغذية ويموت منه يوميا نحو ألف شخص حسب تقرير وكالة الإغاثة الدولية بسبب الملاريا وسوء التغذية.
في مايو الماضي، وحسبما ورد في صحف فرنسية وبلجيكية اعتقلت السلطات الأمنية في الكونغو مجموعة من الأجانب عددهم 23 شخصا يعملون لحساب شركة أميركية تعمل في مجال الحراسة والأمن ومن بين المعتقلين ثلاثة أميركيين وآخرين من نيجيريا وجنوب أفريقيا، ووجهت إليهم تهم العمل لحساب جهات أجنبية والإعداد لمظاهرات معادية للنظام الحاكم عشية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وثبت من التحقيقات أن الثلاثة الأميركيين يعملون لحساب مكتب في ولاية فلوريدا الأميركية يقوم بتدريب المرتزقة للأعمال السرية ضد الأنظمة الحاكمة في الدول الأخرى.
وثبت من التحقيقات أيضا أن الأميركيين قاموا بدعم الحملة الانتخابية للدكتور أوسكار كاشالا المرشح للرئاسة في الكونغو وحليف واشنطن والمقيم لسنوات طويلة في الولايات المتحدة وتخرج من جامعة هارفارد. هذا المسلسل الأميركي أصبح يتكرر في العديد من الدول، وقد تكرر من قبل في الثورة الوردية في جمهورية جورجيا (السوفييتية سابقا) ونجح بالإتيان بنظام موال لواشنطن برئاسة ميخائيل سيكاشفيلي الذي تعلم أيضا في جامعات أميركا ويقود الآن حملة معادية لروسيا.
وإن كان الهدف من الثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا وغيرها من الجمهوريات السوفييتية السابقة سياسيا واستراتيجيا وأيضا اقتصاديا، فإنه في الكونغو الديمقراطية وغيرها من دول أفريقيا الهدف منها هو الثروات الطبيعية، وخاصة النفط الذي تسعى الولايات المتحدة للسيطرة على منابعه بمختلف الوسائل المشروعة منها وغير المشروعة،
وهذا ما صرح به س. إسنيودير مساعد وزيرة الخارجية الأميركية السابق لشؤون إفريقيا الذي قال عام 2004 أن «الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على النفط الأفريقي الذي سيشكل في المستقبل 30% من واردات أميركا النفطية، ولهذا فإن البنتاغون تقع على عاتقه مهمة الدخول في أفريقيا ونشر القواعد العسكرية حول منابع النفط فيها»، البنتاغون هنا يعني استخدام القوة في التعامل مع الدول وإهمال كافة الوسائل الأخرى.
وربما لهذا الهدف وضعت الإدارة الأميركية في إطار حملتها المزعومة ضد الإرهاب خطة «مبادرة الصحارى المضادة للإرهاب» والتي رصدت لتحقيقها 100 مليون دولار لتشمل دولاً مثل مالي وموريتانيا ونيجيريا والنيجر والسنغال وتشاد ودولتين من دول المغرب العربي، وجميعها دول تملك ثروات طبيعية هائلة وعلى رأسها النفط، وليس من المستبعد بل من المؤكد أن واشنطن ستستخدم في هذه الدول نفس الأساليب التي استخدمتها في الكونغو الديمقراطية وجورجيا وغيرها،
ولا سبيل أمام الإدارة الأميركية التي تتمتع حاليا بسمعة سيئة لدى معظم شعوب العالم للوصول إلى ثروات الشعوب والسيطرة عليها بالطرق الدبلوماسية وبالشرعية الدولية، وسبيلها الوحيد لذلك هو تغيير أنظمة الحكم في الدول صاحبة الثروات والمواقع الإستراتيجية بمختلف الوسائل غير المشروعة واستبدالها بأنظمة تم إعدادها في واشنطن، وبتدبير الانقلابات وإثارة الاضطرابات عن طريق مكاتب الشركات التي تعمل تحت غطاء أجهزة الاستخبارات الأميركية. هذه هي الأساليب الجديدة للاستعمار الجديد لأفريقيا وغيرها من بلدان العالم تحت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب.