عندما وصف الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز جورج بوش بأنه «شيطان» في الأمم المتحدة، قائلا إن «رائحة الكبريت» لا تزال تفوح من منصة الخطابة، فإنه تلقى العاصفة النارية التي كان يعرف أنها ستهب عليه. وقد وصفت نانسي بيلوس زعيمة الأقلية في مجلس النواب الأميركي شافيز بأنه «رجل عصابات كل يوم».
وقالت له صحيفة «نيويورك ديلي نيوز» بصراحة «أغلق فمك»، أما صحيفة «نيويورك بوست» التي فاقت الجميع فقد وصفته بأنه «معتوه كراكاس». واصطف السياسيون من الفريقين كليهما ليكيلوا الإهانات لمن بادر بالاهانة أولا من وجهة نظرهم. وقد تلقى شافيز عقب توجيهه السب إلى بوش تصفيقا في الأمم المتحدة، وربما كان له تأثير طيب في بلاده.
ولكن الاهانة أصبحت بالفعل الشيء الوحيد الذي سمعه الأميركيون، حيث نحي جانبا عرض شافيز القيام بتوسيع نطاق برنامجه لإمداد الأميركيين الفقراء بوقود التدفئة بسعر مخفض. واستنكر جون بالداتشي حاكم ولاية مين الديمقراطي الذي كان قد وقع عقداً مع فنزويلا العام الماضي لشراء الوقود ذي السعر المخفض تصريحات شافيز وقال إنه ليست لديه خطط لشراء هذا الوقود في العام الحالي.
دعنا نكن واضحين، فشافيز غاضب، وليس مجنونا، وهو يصف بوش بأنه «السيد خطر»، ولكن هذا ليس بالأمر المدهش ولا المفاجئ، وذلك في ضوء الاهتمام المعلن من جانب الإدارة الأميركية بالتخلص منه. وعندما أطاح العسكريون بصورة مؤقتة بشافيز، الزعيم المنتخب ديمقراطيا، بادرت الولايات المتحدة على الفور بالاعتراف بقائد الانقلاب زعيما شرعيا، منحية جانبا المخاوف المتعلقة بالديمقراطية.
ولم تقل الإدارة الأميركية ولا السياسيون الذين تراصوا صفوفا لإدانة شافيز الكثير، عندما أشار بات روبرتسون عبر قناة تلفزيونية قومية أميركية إلى أن الولايات المتحدة ينبغي عليها القيام باغتيال شافيز. وقد وصفت الإدارة الأميركية فنزويلا بأنها متورطة في تهريب المخدرات وذلك في إطار الحرب التي تشنها واشنطن على المخدرات.
وقالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي أصمت أذنيها فيما يبدو عن المفارقة الساخرة، في معرض حديثها عن شافيز، إن الولايات المتحدة «قلقة إزاء الزعماء المنتخبين ديمقراطيا الذين يحكمون بطريقة غير ليبرالية». وقد واصلت الإدارة الأميركية تقديم الدعم للمعارضة في فنزويلا.
لقد تحدى شافيز السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية. وقام بإعداد تنظيم ناجح ضد اتفاقات التجارة الحرة التي روجت لها الإدارة الأميركية. وقاطع برنامج التدريب العسكري الخاص بالبنتاغون في فنزويلا، وطلب من المدربين الأميركيين الرحيل. وفرض عوائد متزايدة على شركات النفط الأميركية عن استخراج النفط الفنزويلي، واستخدام هذا المال في تمويل المساعدة المتزايدة للفقراء.
ووثق علاقاته بالرئيس الكوبي فيدل كاسترو، الأمر الذي لا يزال يثير حنق واشنطن وذلك على الرغم من مرور عقود طويلة على وصول كاسترو إلى السلطة في بلاده. وانضم إلى البرازيل والأرجنتين لإلحاق الهزيمة بمرشح الإدارة الأميركية لرئاسة منظمة الدول الأميركية.
أسعار النفط المرتفعة أكسبت شافيز شعبية متزايدة في بلاده. وقد تبنى تحديه للسياسات التجارية الأميركية قادة المنطقة بدءا من البرازيل حتى الأرجنتين. وبعد الإعصار كاترينا كان شافيز أول زعيم في نصف الكرة الغربي يعرض على الولايات المتحدة تقديم المساعدة لها، وهو العرض الذي قوبل بالرفض الفوري من إدارة بوش.
والجهد الذي تبذله الإدارة الأميركية لمعاملة شافيز باعتباره العضو الأصغر في «محور الشر» وللسعي لجعله معزولا من الخارج وتقويض وضعه في الداخل لا يبدو معقولا بصورة يعتد بها، ذلك أن فنزويلا هي جارتنا وثالث أكبر مزود لنا بالنفط، ونحن نشتري 60% من إنتاج فنزويلا من النفط والتعاون الفنزويلي أمر بالغ الأهمية في إيقاف تدفق المخدرات إلى الولايات المتحدة.
لقد آن الأوان لإنهاء حرب الكلمات، ووصف بوش بأنه «الشيطان» يثير الغضب في الولايات المتحدة، ووصف بلاد بكاملها بأنها «شريرة» على نحو ما فعل الرئيس بوش ربما يخاطب قاعدة مؤيديه داخل البلاد، ولكنه يثير السخط في الخارج. واللغة العدائية غالبا ما تغذي الضغينة والعداء بأكثر مما تحل المشكلات.
إن البيت الأبيض لا يستوعب هذا. والواقع هو أن الولايات المتحدة لها مصالح كثيرة وأصدقاء أقل مما ينبغي، والإدارة الأميركية الراهنة تعودت الحديث بصراحة عن أولئك الذين تختلف معهم ولم تتعود الحديث معهم، فنحن لا نتحدث مع سوريا ولا مع إيران ولا مع قيادة حزب الله ولا حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا،
وذلك يجعل من المستحيل علينا تقريبا أن نتابع مصالحنا في الشرق الأوسط. وعندما هوجمت السفارة الأميركية في دمشق دافع الحراس السوريون عن مبعوثينا. وبدلا من تقدير هذا التحرك، فقد استغل الرئيس الأميركي خطابه الذي ألقاه في الأمم المتحدة لانتقاد سوريا مجددا.
إن أمتنا ومصالحنا ستتم خدمتها بشكل أفضل من خلال الحوار مع جيراننا وخصومنا. وليس عليك الحديث كثيرا مع أصدقائك لإحراز تقدم، ولكن عليك الحديث مع خصومك. علينا أن نتحدث مع سوريا وإيران والدول الأخرى في الشرق الأوسط وأن نستمع إليها إذا أردنا تبين كيفية إحراز تقدم في التوصل إلى السلام.
وعلينا الاعتراف بالزعماء المنتخبين ديمقراطيا من قبل الفنزويليين والفلسطينيين لا أن نحاول الإطاحة بهم. إن علينا الاستعانة بشافيز في النقاش الواقعي حول الفقر والجوع وحول الطاقة وحول تدفق المخدرات. لقد أظهر استقلاله. والآن يتعين علينا استكشاف أين نتفق معه وأين نختلف معه وأين ينبغي أن نتفق أو نختلف معه. دعونا ننهي حرب الكلمات ونفتح المجال لاستكشاف الاهتمامات المشتركة.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»