جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لتمنح واشنطن الفرصة التاريخية، فانطلقت لتنفيذ مخططاتها التوسعية تحت شعارات مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية والإصلاح السياسي. أبدت روسيا بعد أحداث 11 سبتمبر استعدادا وترحيبا بالتعاون مع أميركا في مكافحة الإرهاب، وذلك قبل أن تعلن واشنطن عن ربطها مكافحة الإرهاب بنشر الديمقراطية والإصلاح السياسي، ولكن هذا التعاون لم ينعكس بأي صورة على أرض الواقع،

وقد طرحت موسكو العديد من سبل التعاون في مكافحة الإرهاب على واشنطن، ولكن الأميركيين لم يعيروا أية اهتمام للمقترحات الروسية، وذلك لسبب واحد رئيسي وهو أن كلا البلدين لم يتفقا على مفهوم الإرهاب الذي يجب التعاون في مكافحته، فبينما ترى موسكو ضرورة التصدي للإرهابيين الذين يقتلون المدنيين ويقومون بأعمال التخريب، رأت واشنطن أن الحملة على الإرهاب تستهدف ليس فقط الإرهابيين بل أيضا الدول والأنظمة الحاكمة غير الديمقراطية التي تدعم الإرهاب من قريب أو بعيد.

لقد استشعرت موسكو خطر الحملة الأميركية على الإرهاب منذ بدايتها في أفغانستان وقبل الحرب على العراق، وذلك عندما قامت واشنطن بنشر قواعدها العسكرية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بالقرب من الحدود الروسية والصينية، الأمر الذي جعل بكين تستشعر نفس الخطر الذي استشعرته موسكو من تزايد الوجود العسكري الأميركي في وسط آسيا، وبالتحديد في المنطقة الواقعة بين البلدين.

لم يقتصر التواجد الأميركي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق على النشاط العسكري ونشر القواعد بل امتد إلى النشاط السياسي بالتدخل في شؤون هذه الجمهوريات الداخلية ودعم بعض القوى المعارضة الموالية لواشنطن ضد أنظمة الحكم في هذه الجمهوريات، وخاصة الأنظمة الموالية لموسكو، وذلك تحت شعارات نشر الديمقراطية والإصلاح السياسي،

وانعكس ذلك بوضوح في الثورات الملونة التي اندلعت في جمهوريات جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا وقيرغيزستان وأوزبكستان، والتي اعترفت الإدارة الأميركية والرئيس بوش نفسه بأن واشنطن تدعم هذه الثورات من أجل حصول شعوب هذه الجمهوريات على حريتها واستبدال أنظمتها المستبدة بأنظمة ديمقراطية، وأيقنت كل من روسيا والصين خفايا المخططات التوسعية الأميركية في المنطقة،

فقررتا ولأول مرة في تاريخهما التعاون معا للتصدي لهذه المخططات الأميركية التي تهدد أمنهما القومي عاجلا أو آجلا، هذا التعاون والتوافق الروسي الصيني الذي لم تكن واشنطن تتوقعه وحالت دون وقوعه طيلة القرن الماضي، ونجحت في ذلك رغم الأيديولوجية الشيوعية التي كانت تربط البلدين، ولكن كما سبق أن قال رئيس الوزراء ووزير خارجية روسيا الأسبق يفجيني بريماكوف عام 1998 عندما تنبأ بتحالف استراتيجي ثلاثي بين روسيا والصين والهند،

وسخر منه الكثيرون آنذاك مستبعدين التقارب الروسي-الصيني الذي لم تحققه الشيوعية، ولا التقارب بين الهند والصين في ظل الخلافات الحادة بينهما، ولكن بريماكوف قال آنذاك سيأتي الوقت الذي يجمع هذه البلدان الثلاثة تهديدات مشتركة وخطرا واحدا، وكان بريماكوف يقصد آنذاك بالتهديدات حلف شمال الأطلسي بقيادة واشنطن وتوسعاته تجاه آسيا، ولم يتغير مصدر التهديد الذي توقعه بريماكوف، كما لم يتراجع تصميمه على السعي من أجل تحقيق هذا التحالف الذي باتت كل الظروف على الساحة ممهدة له.

نشرت كل من «روسكي كوريير» و«برلمنتسكايا جازيتا» انباء تؤكد أن الرئيس بوتين التقي في الكريملين رئيس الوزراء الأسبق بريماكوف، الذي يشغل الآن منصب رئيس غرفة الصناعة والتجارة الروسية، وأسند إليه مهمة الإشراف والتنسيق(غير المعلن) لتأسيس التحالف القاري الثلاثي بين روسيا والهند والصين،

وأن الحديث تناول احتمال انضمام دول شرق أوسطية لهذا التحالف في المستقبل، وقالت صحيفة «روسكي كوريير»أن إيران أول المرشحين لهذا التحالف وكذلك السعودية التي بدا على سياستها الخارجية مؤخرا اهتمامات وتوجهات شرقية. لقد أصبح التقارب الروسي - الصيني يهدد بشكل فعلي التواجد والمخططات الأميركية في آسيا الوسطي، وقد انعكس هذا بشكل واضح في صيف العام الماضي في قمة منظمة شنغهاي التي تضم روسيا والصين وكازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان،

هذه القمة التي صدر عنها قرار يطالب واشنطن بتحديد جدول زمني محدد لسحب قواتها وقواعدها العسكرية من منطقة وسط آسيا في اقرب وقت بعد أن انتهت المهام التي كانت محددة لهذه القوات ضمن الحملة على الإرهاب، وجاء قرار قمة شنغهاي بعد أيام من أحداث أوزبكستان والتي على أثرها أصدر الرئيس الأوزبيكي إسلام كريموف قراره بطرد القاعدة العسكرية الأميركية من (خان أباد )، وحدد مهلة ثلاثة اشهر فقط لتنفيذ القرار،

وذلك بعد أن كان كريموف الحليف الرئيسي لواشنطن في وسط آسيا لكنها انقلبت عليه وأيدت حركة تمرد المعارضة الأوزبكية ضده وكانت هذه القاعدة هي النقطة الرئيسية وربما الوحيدة لانطلاق العمليات الجوية الأميركية في أفغانستان وحاولت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إقناع أوزبكستان بالعدول عن قرارها لكنها فشلت،

وغادرت القاعدة الأميركية الأراضي الأوزبكية في الموعد المحدد، والآن تسعى قرغزيا أيضا لطرد القاعدة الأميركية الموجودة على أراضيها، حيث طالب الرئيس القرغيزي كرمان باكييف واشنطن مؤخرا بمضاعفة إيجار القاعدة عشرة مرات واستبدال اتفاق الإيجار الرمزي السابق باتفاق محدد المدة وغير قابل للتجديد إلا بموافقة قرغزيا.

وهكذا يتراجع التواجد الأميركي في وسط آسيا وفي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وتتوالى معالم هذا التراجع والفشل، وكان آخرها فشل الثورة الملونة الأخيرة في جمهورية بيلاروسيا في فبراير الماضي والفوزالساحق للرئيس البيلاروسي لوكاشنكو الحليف الأول لموسكو والعدو اللدود لواشنطن، وكذلك تراجعت الثورة البرتقالية في أوكرانيا في مارس المنصرم بعد الفوز الساحق في الانتخابات التشريعية لحزب فيكتور يانكوفيتش الموالي لموسكو

وهزيمة حزب الرئيس يوشينكو الموالي لواشنطن، كما رفضت جمهوريتي تركمنستان وطاجيكستان استضافة أية قوات أجنبية على أراضيهما لا ترغب موسكو في وجودهما، وفي اجتماع الدول الخمس الواقعة علي بحر قزوين «روسيا - إيران - كازاخستان - تركمنستان - أذربيجان» في موسكو في منتصف مارس الماضي، أعلنت الدول الخمس عن رفضها لأي تواجد عسكري أجنبي في مياه بحر قزوين، ويهدف هذا القرار إلى إفشال خطط واشنطن لإقناع أذربيجان وكازاخستان باستضافة قوات وقواعد أميركية.

وهكذا يشهد التوسع الأميركي في وسط آسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق تراجعا كبيرا، بينما تشهد العلاقات بين واشنطن من جهة وموسكو وبكين من جهة أخرى حربا باردة غير معلنة، وكما كتب المحلل الأميركي أرييل كوهين في الواشنطن بوست في مارس الماضي يقول «إن الحرب على الإرهاب والصراع على النفط أخرجا الولايات المتحدة من دائرة الشراكة الاستراتيجية مع الصين وروسيا،

وزادا من التقارب بين موسكو وبكين اللتان تسعيان لإفشال كل المخططات الأميركية في آسيا، وقد نجحت موسكو في التقريب بين الصين والهند، ونجحتا روسيا والصين في طرد القواعد الأميركية من وسط آسيا كما نجحتا أيضا في أزمة النووي الكوري ويبدو أنهما سينجحان في أزمة النووي الإيراني».

جامعة سيبيريا