«العبرة بالخواتيم».. عبارة من إبداع شاعر القطرين خليل مطران استخدمها عنوانا لترجمة واحدة من مسرحيات الشاعر الانجليزي ويليام شكسبير.

نستخدم بدورنا هذه العبارة في مجالات التحليل السياسي ومتابعة الشأن العام.. فإذا بها تصدق على أحداث وشخصيات شتى: نجد المثل الانجليزي المتواتر الذي يقول: من يضحك أخيرا.. يضحك كثيرا، بمعنى الانتظار حتى تنجلي الملابسات وتصل الأحداث الى نهايتها..

ونجد أيضا شخصيات كان لها تأثيرها في مسار التاريخ الانساني.. ومن نماذجها شخصية من طراز المركيز لافاييت الذي بدأ حياته منتميا الى طبقة الارستقراطية الفرنسية المتحكمة المتجبرة المستغلة ولكنه انتهى الى أن أصبح نصيرا للجماهير الكادحة والمسترقة، وحليفا لثورتها التي اندلعت في 14 يوليو عام 1789.

ونجد أيضا برتراند رسل، الفيلسوف الانجليزي الذي نشأ بدوره في كنف الارستقراطية البريطانية.. ولكنه ختم حياته مناضلا لا يتورع عن افتراش أرصفة الشوارع في مظاهرات الاحتجاج والرفض ضد حرب ؟يتنام.. ثم نجد على النقيض شخصيات في حجم جون شتاينبك، الروائي الأميركي الذي ذاعت شهرته خلال النصف الأول من القرن العشرين بوصفه الأديب الذي احتفلت إبداعاته بالفقراء وبالكادحين وبالعّمال البسطاء ـ ملح الأرض كما يوصفون أحيانا (روايات من قبيل رجال وفئران وعناقيد الغضب) ـ هذا فضلا عن تكريس وتمجيد شتاينبك للمقاومة الوطنية الشعبية ضد الاحتلال الأجنبي، أي احتلال أجنبي غاصب (مسرحية غروب القمر مثلا).. ومع هذا كله..

ولأن العبرة بالخواتيم ـ كما يقول شكسبير ويترجمه مطران ـ فقد انتهى الأمر بذلك الروائي الكبير الى أن أصبح من اشد أنصار حرب فيتنام ومن غلاة المدافعين عن قرارات الرئيس الأميركي جونسون باستمرار خوض هذه الحرب في المستنقع الآسيوي بكل ما كانت تنطوي عليه من مَصارع فلاحي ؟يتنام ومن حرق حقولهم وقتل أطفالهم وتدمير قراهم وكانت تلك أسوأ خاتمة لحياة أديب كبير.

تلك هي الأفكار والسوانح التي تداعت الى الخاطر غداة رحيل الكاتبة الإيطالية الشهيرة أوريانا فالاتشي في منتصف شهر سبتمبر الماضي عن ستة وسبعين عاما.

ومثل شتاينبك بدأت الصحافية فالاتشي نشاطها العام شابة تنتمي الى سلك المقاومة الوطنية ضد الديكتاتورية الفاشية التي فرضها الدوتشي بنيتو موسوليني على إيطاليا خلال السنوات (1922 ـ 1945) كان ذلك في مسقط رأسها في إقليم توسكاني في غربي إيطاليا.

وربما ورثت أوريانا هذا التوجه من روح الصلابة والرفض.. والتمرد عن والدها الذي كتبت بعد ذلك كيف أنه واجه السجن والتنكيل ثم حكم الإعدام على يد زبانية الفاشست من أتباع موسوليني.

بعدها احترفت مهنة الصحافة وبدأت تنبغ في سلكها دون أن تفارقها روح الخشونة والسلوك الغليظ الى حد الجلافة في بعض الأحيان..

يذكر واحد من مخضرمي الصحافيين الإيطاليين هو غلوريو بوكا كيف أنه دخل في عام 1954 الى مقر صحيفة ( اليوروبيو ) فإذا به يسمع صوت.. بل صياح الصحافية الشابة أوريانا فالاتشي في حالة شجار مع أحد العاملين.. يومها وصف الرجل زميلته بقوله: ( كانت شخصية تجمع بين دفق الحيوية وخشونة الصلافة ).

هذه هي الشخصية التي شقت طريقها عبر سنوات النصف الثاني من القرن الماضي لتحقق النجاح في مضمار الصحافة الناطقة بالإيطالية وبالإنجليزية أيضا وكانت تتعامل باللغتين بل كانت تقسم مقار إقامتها وأنشطتها بين روما ونيويورك.

وربما تركزت نجاحاتها بالذات في مجال إجراء الحوارات والأحاديث والمقابلات الصحافية التي كانت تتابعها وتتناقلها وكالات الأنباء وسائر الميديا الإعلامية في طول العالم وعرضه.

هكذا اشتهرت المقابلات الصحافية التي أجرتها أوريانا فالاتشي ونشرتها في صحف عديدة ثم أودعتها أكثر من كتاب.. وفي صدارتها كانت مقابلتها مع الزعيم الروحي الإيراني الإمام الخميني ومع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ومع الامبراطور الأثيوبي هيلاسلاسي والزعيم الصيني دنغ هياو بنغ وزعيمة الهند أنديرا غاندي ثم رئيسة وزراء اسرائيل جولدا مائير.

ورغم أن كل هذه المقابلات الصحافية كانت محل متابعة دقيقة من المهتمين بالشأن السياسي في العالم.. إلا أن مقابلتها مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر ظلت تحت دائرة الضوء لأن كيسنجر نفسه كتب عنها في مذكراته التي نشرها بعد المقابلة ببضعة عشر عاما قائلا:( كان حواري مع أوريانا فالاتشي هو أفدح محادثة كارثية أجريتها مع عضو في مهنة الصحافة ).

ومن ناحيتها سلطت الصحافية الإيطالية كل أضواء التركيز على هذه المحاورة في كتابها الصادر بعنوان ( مقابلة مع التاريخ ). وفي معرض التعليق تقول الكاتبة الأميركية مارغريت تالبوت (مجلة نيويوركر ـ عدد 5/6/2006): جاءت اللحظة الفاصلة في تلك المقابلة حين طرحت فالاتشي سؤالها مباشرا وبكل صراحة:

( دكتور كيسنجر: هل أدركت الآن أن حرب ؟يتنام كانت حربا عقيمة بغير جدوى ). وهنا بدأ كيسنجر إجابته بعبارة قال فيها:(أستطيع أن أوافق من جانبي على هذا التحليل).

بيد أن هذه المهارات الصحافية، وتلك الشهرة الذائعة التي نعمت بها أوريانا فالاتشي في عالم الكتابة والإعلام لم تعفها من النقد الذي وجهته اليها دوائر وشخصيات مختلفة في ضوء شخصيتها التي كانت تعتمد العنف الى حد التهجم وتتخذ الروح العدوانية منهجا في إدارة المهمة الصحافية التي اضطلعت بها.

ها هو الكاتب المسرحي ( داريو فو ) الحاصل على جائزة نوبل يصف نهجها في عبارة يقول فيها:( كان معجبوها من الصنف الذي يسمح لنفسه بالاستسلام أمام التحيز المقيت ).

ولا عجب فقد تحولت الكاتبة فالاتشي في أواخر حياتها المهنية من العنف الى العدوانية، ومن التحيز الى البغضاء ومن الموضوعية الى التحامل بل والتطاول الى حد الإسفاف في بعض الأحيان.

وكان موضوع هذا التحيز الأعمى وهذا التهجم بل التطاول المسف أحيانا هو.. الإسلام والمسلمون للأسف الشديد.

ثمة تغيرات خطيرة طرأت على شخصيتها وكتاباتها في المرحلة الأخيرة من حياتها.. وبالذات خلال السنوات الخمس التي أعقبت حادثة المركز التجاري بنيويورك في 11 سبتمبر عام 2001.

بعدها، تقول الكاتبة الأميركية مارغريت تالبوت( أعربت فالاتشي عن قناعة مفادها أن عالم الغرب يحدق به خطر متربص اسمه الإسلام.. الراديكالي ). وفي غمار هذه الحالة النفسية ـ المَرَضية كما قد نصفها ـ أصدرت ثلاثة كتب موجزة ـ أقرب الى الكتيبات التي تنضح غضبا وتحاملا وتعصبا.. وربما تعفف المترجمون المحترمون عن ترجمة هذه الكتيبات الثلاثة من الإيطالية الى الانجليزية فكان أن أقدمت على هذه الترجمة بنفسها لتصدر أول وثاني هذه الأعمال تحت عنوانين هما:

الغضب والكبرياء.. وقوة العقل.

أما العمل الثالث فيحمل عنوان «أبوكاليبسي» بمعنى القيامة أو الآزفة أو بالأدق النهاية وهو ما كانت تحسه الكاتبة في الحقبة الختامية من حياتها وقد عاشتها فريسة لمرض السرطان الذي أصابها وأورثها آلامه المبرحة عبر سنوات عشر أو نحوها. ومن هنا نلاحظ أن الكتاب الأخير جاء على شكل مقابلة صحافية مع أوريانا فالاتشي شخصيا.. وبمعنى أنه كان أقرب الى محاورة استبطانية مع الذات.

ولأمر ما.. يلاحظ أنها تحولت الى داعية ضد هجرات مسلمي إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط الى إيطاليا والى الغرب الأوروبي بشكل عام.. وبذريعة أنهم يرفضون الاندماج في مجتمعات المهجر وربما تكون تلك قراءة خادعة أو مخدوعة لحقيقة تمسك المهاجرين المسلمين بأحكام دينهم وشعائر عقيدتهم.

وربما لأن الكاتبة الإيطالية، وقد أنهكها المرض، كانت ضحية لأضاليل الإعلام الغربي المناوئ عنصريا في أوروبا (ميديا اليمين المتعصب في ايطاليا وفرنسا مثلا) وصهيونيا في أميركا (قناة فوكس مثال آخر).

والحق أن كثيرا من أوساط الانتلجنسيا المثقفة في أوروبا راعها تلك النزعة من كراهية الإسلام (إسلاموفوبيا) التي عبرت عنها أوريانا فالاتشي في سنواتها الأخيرة.. ومن هذه الأوساط كانت صحيفة «لارببليكا» الإيطالية التي أطلقت عليها وصف «أجنورانتسيما» قد فسرت ذلك فقالت: إنها تدعي لنفسها مكانة ان دارك الغرب ولكن من باب التظاهر والاستعراض.

من جانبه عرض الكاتب الإيطالي الكبير روبرتو إيكو لما طرحته أوريانا في كتبها الأخيرة ثم قال دون أن يذكر لها اسما: إنني أستنكر هذه النزعة من شوفينية التعصب الثقافي، فنحن مجتمع تعددي ومن ثم نسمح ببناء المساجد كي تجاور البيوت التي نسكن فيها.

لهذا فشلت محاولات كثيرة كي يمنحها الرئيس الإيطالي عضوية (فخرية) دائمة في مجلس الشيوخ في روما.

لهذا كان أنصارها يخشون أن يصدر ضدها حكم بالإدانة في قضية رفعها عادل سميث الذي تحوّل مؤخرا الى عقيدة الإسلام بوصفه رئيس اتحاد المسلمين في إيطاليا.. وهي دعوى اتهام انقضت بالطبع بوفاة المتهمة ذاتها.

عاشت أوريانا فالاتشي وحيدة بلا أسرة. ونعمت خلال حياتها المهنية بشهرة وأموال. ولكنها عانت في سنواتها الأخيرة من المرض بقدر معاناتها من حقد لعله كان مدفونا في الصدر بحق الإسلام والمسلمين.

قد يذكر تاريخ المهنة بعضا من مقابلاتها الصحافية، لكنه سيصرف النظر عن كتاباتها الحاقدة الأخيرة لأنها تتنافى مع روح التسامح وإنسانية المثقف.

كاتب مصري