لا شك في أن انسحاب قوات الاحتلال الأميركي من العراق مطلب غالبية الشعب العراقي، إن لم نقل كله، وهي رغبة جميع الشعوب الحرة في الشرق والغرب.

لكن وللأسف بعض الأمور لا تكون بهذه البساطة ولا بهذه الشفافية، فالانسحاب التدريجي الذي تكلم عنه البيت الأبيض لا يعدو كونه خطوة تكتيكية مرتبطة بشكل أساسي بحسابات انتخابية لغض الأنظار عن فشل الولايات المتحدة في سياستها الخارجية ومحاولتها امتصاص الغضب الشعبي بطريقة التفافية.

فالعراق صار يمثل هاجساً مؤرقاً لا يزال يستقطب الاهتمام الشعبي والرسمي الأميركي من دون أن تلوح في الأفق بوادر استقرار أمني يكفل للترسانة الأميركية تقليل معداتها وأفرادها أو مغادرتها كلية برفقة نصر ولو نصفي كما أن أخبار الموت اليومية جعلت الناس يفقدون الأمل في قدرة الحكومة العراقية وأجهزتها في تأسيس الدولة والمحافظة على المصالح الأميركية كما كان التوقع قبل الحرب.

فالإدارة الأميركية مازالت متأرجحة التفكير في الانسحاب وعواقبه المقبلة. وكما يبدو فان انسحاب هذه المرة من دون انتظار لمساع دؤوبة تبحث عن الضوء في آخر النفق المظلم لتحقيق الأهداف الأيديولوجية التي تشكل عقيدة المحافظين الأميركيين الجدد.

الواضح للعيان أن الإدارة الأميركية بدأت عمليا تدشين ما أسمته (خطة النصر أو الانسحاب) بواسطة ديكورات احتفالية تبدأ بمؤتمرات حشدية، خطابية داخل المؤسسات العسكرية على طريقة دول العالم الثالث لإسكات صوت الناقدين والقائلين بفشل، غير أن العثرات الاستراتيجية أصبحت مثار جدل المحللين والسياسيين .

الشيء اللافت للانتباه الآن هو أن الذين ناهضوا الحرب والذين أيدوها غيروا وجهة نظرهم وأهبطوا توقعاتهم تلك عبر استطلاعات الرأي الأخيرة التي أشارت بوضوح إلى فشل مهمة القوات الأميركية في العراق. وأبانت الجهات المستطلعة أن نسبة القائلين إن (المهمة فشلت) وصلت إلى معادل يكاد يكون مخجلاً لأميركا كلها وليس فقط للرئيس بوش الذي رأى غالبية الأميركيين أنه فشل أيضاً كقائد في توجيه القوة الأميركية نحو مصالحها الاستراتيجية.

أمور أصبحت واضحة الآن، والاحتلال في أزمة إدارة خانقة. لقد خطط البنتاغون للحرب على العراق وإقصاء النظام، نجح في الثانية نظريا، وفي الأولى عمليا، لكنه فشل في التخطيط لما بعد ذلك وهو الجزء الأهم: إدارة الاحتلال، والذي يشكل عدم النجاح فيه الفشل الحقيقي لمجمل العملية العسكرية، بل أكثر من ذلك، هزيمة نكراء ولكنها مؤجلة.

بدأت الأصوات تعلو في الولايات المتحدة حول هذا الفشل المتتالي في إدارة الاحتلال في العراق، وخاصة مع ارتفاع إعداد النعوش العائدة إلى أميركا.

إني على يقين ان الإدارة الأميركية جادة في هروبها من الوحل العراقي، بسبب ما تلاقيه من مقاومة شرسة تزداد شراستها يوما بعد آخر، وهي التي تعلم ان معدل المئة عملية عسكرية يوميا ضد قواتها تكبدها خسائر فادحة، لا تقوى على مواجهة الرأي العام الأميركي مهما تفننت بأنواع الكذب في إخفاء خسائرها عن الرأي العام الأميركي والعالمي.

وستقوم بإخراج مسرحية الهروب من العراق بطريقة تؤمن لها حفظ ماء وجهها الأسود، من خلال وضع سيناريو جديد يبيض مسيرتها الاحتلالية في العراق، بالسعي الجاد إلى إجهاض كل محاولات تكريس الوحدة في العراق وإيهام الرأي العام الدولي ان هذا البلد غير قادر على حماية نفسه وبسط الأمن، ولعل تصريحات الرئيس العراقي جلال الطالباني الأخيرة حول رغبته في التواجد الأميركي الأبدي في العراق ابرز دليل على ذلك.

benhadnal@yahoo.com