هناك فرق كبير بين أميركا الحلم وأميركا الواقع، بين «مدينة على جبل» التي نحتها البناة الأوائل للوطن الأميركي، و«مدينة في الوحل» التي كرستها إدارة بوش الابن.. وربما لا يصدق الإنسان أن نفس الدولة التي شغلت العالم طويلاً بمبادئ ويلسون .
ومن بعدها حريات روزفلت الأربع هي نفسها التي تشغله بأدبيات غوانتانامو وحقها المطلق في التنكيل بمن تشاء وقتما تشاء دون أي اعتبار لآدميته.. ربما أيضاً لا نصدق أن أميركا التي أسهمت في الحضارة الإنسانية بنصيب وافر من العلوم والمخترعات والآداب هي نفسها التي تنتج سماسرة الحروب وتقاليد المجمع الصناعي العسكري عمياء الضمير..
كيف للدولة التي أهدت العالم آرنست هيمنغواي وتشارلز يوكوفسكي وجاك كيرواك هي نفسها التي تغرق العالم بمفاهيم الحروب الاستباقية والحرب على الأفكار والفوضى الخلاقة، هل الوطن الذي منح النجومية لغور فيدال ونعوم تشومسكي وهوارد زين وإدوارد سعيد هو نفسه الذي يمنح النجومية لتوماس فريدمان ودانيال بايبس وستيف ايمرسون وفؤاد عجمي؟
أغلب الظن أن هناك قطيعة تمارسها أميركا مع ذاتها منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اللحظة اللهم إلا لفترات قصيرة بدت كومضات في تاريخ مظلم.. قطيعة امتدت من الفكر إلى السياسة ومن الثقافة إلى المخترعات .. وليس عصياً أن نجري مقارنة ولو سطحية بين ما كانت تشعه أميركا إلى العالم قبل 70 سنة وما تشيعه اليوم.. وكذلك بين ما كانت تصدره حينذاك وصادراتها اليوم.
فالحبوب تحولت رصاصاً والمخترعات التي تنقل البشرية من حقبة إلى حقبة تم إبدالها بأحدث ما في ترسانة الدمار قنابل ثقيلة وصواريخ ليزرية.. كما أن القوة الفكرية التي كانت ممنوحة من أميركا لحركات التحرر انقلبت إلى دعم أعمى لدول ذات سطوة تمارس الإرهاب جهاراً نهاراً .
وتحولت أميركا ذاتها إلى قوة احتلال. والمبادئ الأميركية التي أقيمت على أساسها عصبة الأمم جرى سحبها.. بل وتم تعيين جون بولتون رغماً عن المشرعين الأميركيين ليهدم بنيان الأمم المتحدة والمبادئ التي أقيمت على أساسها أو يحولها إلى ماشطة شيطانية تمنح الأطماع الإمبراطورية الأميركية قناعاً أممياً.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تضرب الإدارة الأميركية عرض الحائط بكل نصائح أصدقائها في العالم ومنهم زعماء عرب، وأن تعادي كل من لا ينجرف في تيارها رافعة شعار «من ليس معناً فهو ضدنا» ولم يك مستغرباً أن تعادي حتى أبناءها الذين لا يوافقون إدارتها الرأي ويباركون خطواتها التي تتسم بغباء تحسد عليه ،وليس معاقبة السفير جوزيف ويلسون عبر تسريب اسم زوجته فاليري بلام عميلة المخابرات المركزية إلا نموذجاً فجاً لهذا السلوك.
وتصديقاً لما يقال من ان عصابة اختطفت السياسة الخارجية الأميركية، وتديرها لحسابها بعيداً عن مصالح أميركا الحقيقية. قبل أسبوع واحد رفعت السرية عن تقرير شاركت فيه كل وكالات المخابرات الأميركية (16 وكالة) وانتهى إلى القول « إن احتلال العراق عزز التيارات الجهادية وساعدها على نشر أيديولوجيتها وجعل أمن الولايات مهدداً أكثر من أي وقت مضى»®. وبدلاً أن تعترف إدارة بوش بخطئها وتسحب جنودها المحتلين شنت حملة عاتية على التقرير.
لعل أصدقاء أميركا ينصحونها أيضاً بشكل يومي أن سير واشنطن في ركاب تل أبيب تجاه قضايا المنطقة يهدد مصالحها، ويحول الرأي العام العربي بقضه وقضيضه إلى بيئة معادية لكل ما هو أميركي.. لكن من يسمع ومن يرى؟ ..
تبدو إدارة بوش في أحسن أحوالها مثل ديناصور أصم وأعمى يغرس مخالبه في بطون أصدقائه ويدوس بلا رحمة كل شيء في طريقه.. وهذا لا يعجل بتقليص نفوذ أميركا في العالم فقط ، وإنما يعجل بفناء الدولة التي أريد لها أن تكون «مدينة على جبل» فإذا بها تتحول إلى وحش فرانكشتاين الذي يفتك بحضارته الأم.. الحضارة الغربية.
وليس هناك ما يعبر عن عبثية ما تشنه الإدارة الأميركية الحالية من حروب في الاتجاه الخطأ أفضل مما ورد في رواية «وداعاً أيها السلاح» لهيمنغواي: «إنني لم أر شيئاً مقدساً والأشياء التي اعتبرت مجداً لم تحمل سمة المجد على الإطلاق وكل التضحيات كانت كمحلات تفكيك السيارات المسروقة في شيكاغو.. ولا شيء إلا أن تدفن ذلك اللحم .. الكلمات المجردة مثل المجد والشرف والشجاعة والقداسة أصبحت فاحشة المعنى».
magdishendi@hotmail.com