كنت في حوار شيق الأسبوع الماضي مع «قاو يوتشين» القنصل الصيني في دبي، وكان حوارنا حول تاريخ الصين وكيف أن التاريخ لا يكتبه إلا القوي، وفي كثير من الأحيان يجحف هذا القوي بحق الأحداث التاريخية ويجيّر التاريخ لصالحه، فالذي يبحث عن تاريخ الاختراعات التي بين أيدينا اليوم يفاجأ بأن كثيراً منها هي من إبداعات الصينيين وليس الأوروبيين كما يقول التاريخ.

ويذكر كونراد زايس في كتابه «الصين عودة قوة عالمية» أن الورق قد صنع في فترة حكم سلالة هان في القرن الأول والثاني الميلادي، وكان الصينيون يستخدمونه للكتابة والتغليف ولأعمال أخرى، ولم يصل إلى أوروبا أو بالتحديد إيطاليا إلا بعد مرور ألف وخمسمئة سنة على اختراعه.

وفي النصف الأول من القرن الثامن اخترع الصينيون الطباعة، وطوروها حتى صاروا يطبعون كتبهم بخمسة ألوان، الأمر الذي أدى إلى إنتاج غزير للكتب في تلك الفترة، وعندما اجتاحت قوات جنكيز خان المجر ووقفت على حدود ألمانيا نقل المغول هذا الاختراع إلى أوروبا، وفي عام 1447 اهتدى الألماني جوتنبرج إلى اختراع الطباعة .

- كما يقول التاريخ - أي بعد سبعمئة سنة من اختراع الصينيين لها... وهنالك العديد من الاختراعات التي تفرد بها الصينيون كالبارود والبوصلة وفنون الزراعة التي لم تصل إلينا إلا عن طريق أوروبا.

ولكن الصين اليوم ليست في حاجة إلى النواح على التاريخ، فهي تعيد كتابته عن طريق الاقتصاد، وأصبحت أكبر مصدر للبضائع في العالم، وغدت في سنوات قليلة العملاق الذي لطم الميزان التجاري مع الولايات المتحدة فمال به ميلة عظيمة أصابت العالم كله بالذهول...

لقد كانت الأسواق في الصين مع بداية التسعينات عبارة عن محلات صغيرة متصاقبة، يملأ طرقاتها الوحل وتغطي واجهات محلاتها العناكب والحشرات، أما اليوم صارت الصين القبلة التجارية التي تهفو إليها جيوب الشركات العالمية مثل كارفور وولمارت وجنرال إلكتريك وغيرها من المؤسسات التي وجدت لأول مرة في التاريخ سوقاً تكبر حصتهم فيه كلما أخذوا منه، فعلى سبيل المثال يشترك في خدمة الهاتف النقال في الصين قرابة ستة ملايين شخص كل شهر، وهو أمر لم تعهده هذه الشركات العالمية من قبل.

لقد استطاعت الصين بفضل الكم الهائل من الأيدي العاملة ذات الأجور المنخفضة جداً أن تحتل مكاناً بارزاً في قطاع الإنتاج والتصدير، فالعامل الصيني يتقاضى 69 ,0 دولار في الساعة بينما يتقاضى العامل الأمريكي 33 ,21 دولارا في الساعة والأوروبي 18 ,20 دولارا والبرازيلي 57 ,2 دولار والتايواني 41 ,5 دولارات.

أضف إلى ذلك هجرة مئات الملايين من المزارعين من الريف إلى المدينة وأصبحت تعمل أربعاً وعشرين ساعة مما أنتج قدرة هائلة على استيعاب الطلبات الإنتاجية الضخمة. وأذكر أنني كنت في محاضرة للخبير الاقتصادي توم بيترز عندما وضع رقم 46 على شاشة العرض وقال بحرقة:

«في كل 46 دقيقة يفتح مصنع جديد في الصين»، ولقد أدى هذا النمو المتسارع إلى خسارة كثير من العمال حول العالم لوظائفهم، فشركة توشيبا أغلقت ما تبقى من معاملها لإنتاج التلفاز في اليابان ونقلت عملياتها إلى الصين، وشركة إبكوس المنتجة للمعدات الكهربائية أغلقت مصانعها في ألمانيا - وشردت 3000 عامل - ونقلت عملياتها إلى الصين أيضاً.

واستطاعت الصين أن تستقطب استثمارات أجنبية في دلتا نهر اللؤلؤ - وهي المنطقة التجارية الجنوبية المحاذية لهونغ كونغ - بقيمة 2 ,53 مليار دولار في سنة واحدة فقط، أي ما يقارب مليار دولار في كل شهر، وأصبحت بذلك أول دولة منذ الثمانينات تتجاوز الولايات المتحدة في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

واستطاعت أن تحقق نمواً في الناتج المحلي الإجمالي نسبته 9% سنويا منذ عام 1978، واليوم تشكل الصين مع جاراتها قوة اقتصادية بلغ حجم تجارتها 4 ,1 ترليون دولار، الأمر الذي يضعها في قائمة القوى الاقتصادية بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

لقد تحولت الصين إلى مصنع العالم الذي أصبح أكبر منتج للفولاذ والدراجات الهوائية والبرادات وأجهزة التلفزيون وأنظمة البدالات لشبكات الهواتف والأسمدة وغيرها من المنتجات التي أدمنت عليها الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة التي لم تستطع حكومتها الوقوف في وجه المد التجاري القادم من الشرق، فأصبحت الشركات الأميركية مثل وولمارت .

- وهو أكبر سوبر ماركت في العالم ويستأثر بنسبة 10% من الواردات الأميركية - في نهم شديد للمنتجات الصينية ذات الأسعار التنافسية التي لا يمكن أن تقارع، وبالمقابل استغلت الصين هذه العلاقة وأصبحت تعتمد على وولمارت في تصريف الكم الهائل من إنتاجها التجاري.

ولقد استطاعت الصين من خلال التزامها بتطوير عملياتها التجارية أن تتوافق مع متطلبات هذه الشركات العالمية التي تحتاج إلى شريك ذي طاقة إنتاجية كبيرة وقدرة عالية على تسليم البضائع في وقت قصير لتتماشى مع مواسم التخفيضات التجارية.

وتميزت المصانع الصينية بقدرتها على تصنيع أي شيء وبأي ثمن وبأي كمية، فطفقت الشركات عابرة القارات تصنع علامات تجارية جديدة خاصة بها ولكن مكتوب عليها في الخلف «صنع في الصين».

وحتى تضمن الصين إحكام قبضتها على زمام القدرة الإنتاجية الهائلة قامت بالاستثمار في التكنولوجيا ونقلها إلى السوق المحلية، حيث يفتح في كل 26 دقيقة مختبر للبحث والتصدير في الصين، واستطاعت الصين من خلال سوقها الضخم أن تجبر الشركات العالمية الراغبة في دخوله على نقل عملياتها التقنية إلى الصين، ولأول مرة تقوم شركة مثل جنرال إلكتريك بكشف بعض أسرارها التقنية لعاملين أجانب وتنقل إليهم خبراتها التي تحفظت عليها لأكثر من قرن من الزمن.

وفي نهاية الحوار قلت للقنصل بأنه عندما كان الرهبان في أوروبا ينسخون الكتاب الواحد في سنة وسنتين كان الصينيون يطبعون ملايين الكتب، وعندما كان الصينيون يضعون اللبنات الأخيرة في سورهم العظيم، كان الأوروبيون يبصقون على أرضيات اللوفر ويبولون في أروقته... ثم سألته عن رأيه في المقولة التي تقول إن الحكمة نزلت عقول الروم، وألسنة العرب.

وقلوب الفرس، وأيدي الصينيين، فرد قائلا: «ولكن العرب والصينيين لديهم عقول نيرة أيضا نزلت عليها الحكمة قبل مئات السنين، ولو أنهم أعملوها فيما بينهم لاستطاعوا تحقيق الكثير»®®.

فهل العالم العربي مصاب بالحَوَل ولا ينظر إلا غرباً كما يقول مهاتير محمد؟ وهل يبقى العرب في دوامة الصراع الأيديولوجي مع الغرب دون البحث عن وجهات أخرى؟ وهل يمكننا أن نجيب التاريخ الذي تعب وهو يسأل: متى نتعلم الدرس؟

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com