175 مليوناً هو عدد البشر في القارات الخمس الذين يتحدثون أو يستخدمون أو يستطيعون التحدث أو الكتابة باللغة الفرنسية. ومعظم هؤلاء يمثلون ذاكرة الاستعمار الفرنسي القديم في افريقيا وبعض دول آسيا.
بينما هناك خمس دول فعلية تمثل اللغة الفرنسية إما لغتها الأولى أو الثانية. وفي عام 1880 اخترع عالم الجغرافيا أونيزيم ركلوس كلمة الفرانكفونية لتشير إلى المجموعات أو الجاليات التي تتخذ من الفرنسية لغة لها.
ويبدو أن هذا الاختراع كان أشبه ما يكون بـ (لقطة) لا يمكن إضاعتها. فكثيراً ما يكون أساس المشاريع العملاقة فكرة أو كلمة لم يحسب لها صاحبها حساباً.
وكثيراً ما يضع الله بين أيدي وأعين الشعوب - كالشعوب الإسلامية والعربية - جبالاً ومحيطات من الفرص ولكن يتم تجاهلها وتركها تذهب مع الريح هذا إن لم تتم محاربتها لطمسها، كما حدث لانتصار المقاومة في لبنان قبل شهر واحد. المهم، أن اكتشاف كلمة الفرانكفونية غيرت كثيراً من المسارات في تاريخ فرنسا وفي توجهاتها نحو العالمية والانتشار فيما بعد.
صحيح أن لا أحد ينكر افتتان كل من يسمع حديثاً باللغة الفرنسية، إلا أن تعلم هذه اللغة لا يعادل في صعوبته إلا الإغريقية والعربية. وهذا لا يعني أن كل من تعلم اللغة الفرنسية يتحدث الفرنسية، وليس كل من تحدث الفرنسية أتقن اللغة الفرنسية، وليس كل من أتقن الفرنسية فهم فلسفتها الداخلية التي تشكل تميزها عن باقي لغات العالم.
على أية حال، تميز هذه اللغة جعل أصحابها يشعرون بمدى تأثيرها على مسامع الشعوب الأخرى. وتم استغلال عاطفة البشر لمحاولة جعل اللغة الفرنسية تصبح اللغة الثانية بعد الإنجليزية في كل شيء. وربما فهم الفرنسيون في الوقت ذاته أن ضياع مستعمراتهم لن يعيدها إليهم لا القنبلة النووية ولا الأسطول الفرنسي ولا طائرات الميراج الفرنسية:
إنما اللغة الفرنسية. وهي فلسفة صحيحة مئة بالمئة. فإذا سيطرت على لغة شعب من الشعوب، فإنك تسيطر على ثقافته. وإن قمت بتشكيل ثقافته على شاكلة ثقافتك فإنك تسيطر عليه وعلى مقدراته واقتصاده وتاريخه. وبالتالي يصبح لك تابعاً مدى الحياة بسعر زهيد جداً وبدون خسائر في الأرواح.
إن اللغة الفرنسية لم تتبلور إلا في العصور الوسطى. فهي لغة تعود إلى عائلة اللغات الرومانية، بل ان اللغة الفرنسية الحالية ما هي إلا تحوير للاتينية الشعبية منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر وكان وقتها لكل إقليم تراكيبه المتميزة إن لم نقل لغته المختلفة.
إن أول نص فرنسي مكتوب يعود إلى عام 842 ميلادية وأول الأعمال الذهنية التي يمكن أن نصنفها في خانة الأدب كانت أشعار ما يطلق عليه أغنية رولان (1098 م). وفي أقل من ثمانية قرون أصبح الأدب الفرنسي يقرأ في كل مكان ويؤثر في كل الآداب ويؤسس أهم المدارس الأدبية بعد أن صبت في مجرى اللغة الفرنسية أكبر أنهار لغات العالم: الإغريقية والرومانية والعربية.
والنتيجة؟ أن الفرنسيين اغتنموا الفرصة وأصبح عدد الذين يتحدثون لغتهم اليوم من الشعوب المختلفة يفوق عدد سكان فرنسا نفسها!! ومازال الفرنسيون يدافعون عن لغتهم (رغم صعوبة تعلمها) بكل ما أوتوا من قوة، ولم تتخل المدارس والمعاهد والجامعات الفرنسية عن اللغة الفرنسية لتحل محلها الإنجليزية كما فعلنا نحن.
وما زال الفرنسيون في حرب مستميتة لصد غزو اللغة الإنجليزية لثقافتهم ومؤسساتهم التعليمية وغير التعليمية. وخصصت الحكومة الفرنسية خاصة في عهد فرانسوا ميتران ومن بعده جاك شيراك ميزانيات هائلة مخصصة لنشر اللغة والثقافة الفرنسية في شتى أنحاء العالم. وتحت مسميات مختلفة.
فبينما ينظر البعض إلى ذلك بأنه محاولة إيجابية لفتح أبواب الثقافات العالمية للجميع وما قد يترتب عليه من تفاهم أكبر بين شعوب العالم وصد هجمة اللغة الإنجليزية الشرسة، رأى فيه البعض الآخر عملية تجديد للاستعمار الفرنسي في مستعمراتها القديمة (التي لم تخرج فعلياً من نطاق الاستعمار الفرنسي حتى بعد استقلالها وظلت تخضع لرعاية وحماية ووصاية فرنسا سياسياً واقتصادياً - كاستخدام عملة السي أف آي مثلاً - وثقافياً) ومحاولة لهيمنة الثقافة الفرنسية من خلال طمس ثقافات الشعوب الأخرى مستغلة حالة الفقر والجهل وضعف المقاومة بين شعوب تلك الدول وخاصة الافريقية منها.
بينما فسر بعض المحللين هذه الظاهرة المنظمة بأنه تقليد مصغر للهيمنة الأميركية في العالم في غياب أي دور أوروبي آخر. والدليل على ذلك تدخل فرنسا المستمر والمعلن في أحداث لبنان ومشاكله وأزماته الداخلية ومحاولة تغليب طائفة على أخرى، ومساندة حزب على غيره، وتأليب فريق ضد آخر..
. واشتد هذا التدخل بعد اغتيال الحريري، ثم اشتد أكثر أثناء الغزو الإسرائيلي وموقف فرنسا من المقاومة، ثم أكثر فأكثر من خلال عدم دعوة الرئيس أميل لحود لحضور الاجتماع الحادي عشر لقمة زعماء الفرانكفونية (هذه المنظمة الدولية التي تأسست في عام 1970) والتي انعقدت الأسبوع الماضي في العاصمة الرومانية بوخارست، لأن الرئيس اللبناني الحالي يمثل فريقاً لا يتوافق مع سياسة فرنسا في لبنان والمنطقة.
وكأنما لبنان ما زال مستعمرة فرنسية خاضعة لمشيئة المستعمر القديم. وهذا الخطأ في وضع الحسابات مع الشعوب العربية وزعاماتها في الوقت الراهن مع التغيرات الراهنة والتدخل غير الموضوعي في شؤونها هو الذي يجر المنطقة في كثير من الأحيان إلى الفوضى.. بل إلى خسران تلك الدول المهيمنة للشارع الداخلي وبالتالي خسارة ضمان مصالحها..
و إلا فكيف نفسر أن فرنسا تراهن على حصان خاسر في لبنان، بينما حزب الله خرج من هذه الحرب وهو يحكم الشارع اللبناني ويزداد قوة ومصداقية أكثر من أي وقت مضى، وزاد مؤيدوه في العالم العربي والإسلامي إلى عشرات الأضعاف عما كان عليه قبل اختطاف الجنديين الإسرائيليين؟ والنتيجة؟
أن (الشارع) اللبناني والعربي والإسلامي لم يعد يثق بسياسة فرنسا في المنطقة ولا باجتماع قمة الفرانكفونية! وهي معادلة صعبة وجدت فرنسا نفسها فيها في وقت صعب جداً تمر به الأمة الإسلامية والعربية على شتى المستويات.
فهناك تغيرات حصلت بعد حرب لبنان لم تكن في حسبان أحد. ومبادرة فرنسا الأخيرة لتهدئة الموقف تجاه قضية الملف النووي الإيراني تبخرت أهدافها سريعاً ويبدو أن أحداً لم يعرها اهتماماً لأن هناك من لا يريد لفرنسا أن تلعب دوراً دولياً أو إقليمياً في المنطقة. ولا أحد يتهم فرنسا بأنها تفتقر إلى التكتيك أو سوء التدبير أو ضعف الخبرة في السياسات الدولية.
لأنها ظاهرة عامة لا تنطبق فقط على فرنسا، بعد أن أصبح معظم زعماء الدول الصناعية مشغولين بشؤونهم الداخلية وحل مشاكل البطالة ومناورات الأحزاب المنافسة واضطرابات الشارع المحلي قبل معرفة ما يجري على صعيد الشارع اللبناني أو السوداني.. وأصبح إطلاعهم على مجريات الأمور في العالم سطحياً معتمداً على ما قد تقدمه تقارير المخابرات الشابة مقارنة بتلك العريقة التي خططت لسياسات العالم بعد الحرب العالمية الثانية وأثناء الحرب الباردة.
إن الشارع العربي والإسلامي يرحبان بأي منظمة أو مؤسسة أو مؤتمر إنساني موضوعي وحيادي في تعامله مع هموم الإنسان العربي. وعندما تتحول هذه المنظمات إلى قوى ضغط وتدخل وتوجيه وفرض الرأي ورسم المخططات بما يخدم مصالحها فإن النتيجة تكون في كل الأحوال بالرفض وردة الفعل معاكسة.
إن عدم دعوة الرئيس لحود أغضبت من اللبنانيين حتى هؤلاء الذين كانوا إلى وقت قريب ضد موقف وسياسة الرئيس لحود نفسه. حيث يرى البعض أن الخلاف معه شأن داخلي وليس لأحد الحق في التدخل في الشأن الداخلي خاصة .
وأن فرنسا لم يكن لها أي موقف مشرف على مدى 32 يوماً من القصف الإسرائيلي المستمر على مدن لبنان وظلت تتفرج على منظر الدمار والقتل دون أن تحرك ساكناً. فليس الآن تأتي فرنسا لتزج بنفسها في الشأن اللبناني الداخلي من خلال قمة الفرانكفونية.
وعلق بعضهم مازحاً: (يا عمي ما لنا نحن وقمة الفرانكفونية؟ نحن مشغولون حالياً بقمة النصروفونية)!!
كاتب وباحث سياسي