هي كلمة واحدة وبليغة أيضا ترددت مؤخرا، وبتكرار وتواتر ملحوظ، في الأدبيات والتحليلات التي تابعناها صادرة عن الدوائر السياسية الغربية (في أميركا وانجلترا بالذات)، والكلمة هي مس (Mess) التي تنصرف إلى معان ودلالات شتى في الاستخدامين الإنجليزي والأميركي..
ومن هذه المعاني والدلالات ما يبدأ بأصناف الطعام في المطبخ ويدل على مقصف طعام الجنود بالوحدات العسكرية.. وقد لا ينتهي بفكرة محورية هي تلك التي توقفت عندها التحليلات السياسية الغربية للمشهد الراهن في منطقة الشرق الأوسط. وهذه الفكرة تلخصها دلالة واحدة في لغتنا العربية وهي: الخليط.. الفوضى.. الارتباك والاضطراب.. «الخبيص» إن شئت التقريب.
والمعنى أن الشرق الأوسط صار ساحة لخلط الأوراق.. ومنطقة تشهد تداخلا سلبيا ومنذرا بالخطر بين الأدوار والمؤسسات والسلوكيات والاحتمالات. وربما زادت هذه المعاني في حدتها أنها تبلورت في أذهان المراقبين والمحللين السياسيين في أجواء ذكرى مرور الأعوام المنقضية الخمسة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك.
ولقد كان من عقابيل تلك الأحداث نتائج شتى ومنها ما يلي: إعلان محاربة الإرهاب الدولي الصادر عن الجمعية العامة ومجلس الأمن الذي أصدر قراره في أعقاب تلك الأحداث المأساوية بإنشاء لجنة مكافحة الإرهاب التي مابرحت تطالب كل دولة في العالم بتقديم تقرير سنوي عن إجراءات مكافحتها لآفة الإرهاب،
وهي إجراءات تحمل أكثر من طابع وأكثر من سمة، ما بين تدابير مصادرة المواد والأعتدة العسكرية، وما بين تدابير مكافحة التنظيمات المشكوك في أمرها أو في عقائدها السياسية، الى إجراءات المتابعة المالية للتحويلات التي تحفها ظلال من الشك عند هذا المسار المالي أو ذاك.
بيد أن أفدح تلك النتائج ما جاء مجسدا في قرار غزو أفغانستان وبعده قرار غزو العراق ثم زاد الأمر فداحة - في تصورنا - أن غزو أفغانستان لم يفض كما ادعى أصحابه إلى إنهاء عناصر ما عبر باسم «تنظيم القاعدة»، كما أن غزو العراق استند إلى مبررات علنية دخلت مؤخرا في باب المبررات الواهية والتعللاّت المشبوهة بعد أن ثبت باعتراف مسؤولي واشنطن أن مبرر أسلحة الدمار الشامل كان يقوم على غير أساس من قريب أو بعيد.
على أن أخطر ما أفضى إليه شعار مكافحة الإرهاب الدولي هو ما تجسد في الربط بين الإرهاب.. وهو آفة مدمرة كما نراها موضوعيا، وبين عناصر مسلمة أولا ومن ثم وللأسف الشديد، بين الإرهاب والإسلام ذاته وهذا هو مكمن الخطر الذي أثار ولا يزال يثير كوامن تاريخية
وأشجان ماضوية قد تبدأ بمقولات تصادم الحضارات التي نبعت في جامعة هارفارد الأميركية مع مطالع التسعينات، ولكنها لم تنته بمقولة تسيء الى نبي الاسلام محمد عليه الصلاة والسلام وقد نبعت بالأمس القريب في جامعة غربية أخرى.. ألمانية هذه المرة وعلى لسان رأس الكنيسة الكاثوليكية ورئيس دولتها في الفاتيكان.
ومهما يحاول المحلل السياسي العربي أن يطل على مثل هذه الظواهر والسلوكيات الفكرية من منظور هادئ وموضوعي وصبور في محاولة لفهم «الآخر» فالحاصل - الموضوعي أيضا - أن المشكلة تتفاقم لأن هذا «الآخر» لا يجهد نفسه في محاولة فهم «الأول» وهو الطرف المسلم في هذه المعادلة..
بل ها هو الطرف الأول - المسلم، وفي مقدمته العربي والشرق أوسطي بالتالي، يتلقى كل يوم رسالة مستجدة نابعة أحيانا عن موقف جاهل وأحيانا عن تعصب مقيت وأحيانا أخرى عن تربص تدفعه رغبة رعناء في تجديد الثارات وإشعال نار البغضاء ومنها ما يصل إلى حد إهانة الإنسان المسلم - العربي، الشرق - أوسطي لا في كرامته وحسب بل وفي عقيدته أيضا.
وبقدر ما أننا، عربا ومسلمين، نرفض مقولة الصدام بين الحضارات أو الثقافات وندعو إلى الحوار بينها، وبقدر ما أننا أبدينا - من منطلق إنساني وديني وثقافي - كل التعاطف إزاء ما أصاب الشعب الأميركي في كارثة سبتمبر، وبقدر ما أننا نرفض عن قناعة مبدئية أي مساس بأبناء العقائد الأخرى وبمؤسساتهم التعبدية وبرموزهم التي يوقرونها - فإننا نرفض مبدئيا كذلك ما ذهب إليه الرئيس الأميركي بوش من الربط بين الإسلام ومعتنقيه وبين الفاشية والنازية
ونحن أدرى بوقع ودلالة هذين المصطلحين على العقلية والوجدان الجمعي بين شعوب الغرب لاسيما وأن العقل الجمعي للشعوب - على نحو ما قال المفكر الفرنسي دور كايم - يميل إلى التعميم وليس التخصيص ومن ثم يكون الربط بين مطلق «إسلام» بغير تحديد ولا تخصيص، وبين إرهابية الفاشية وعنصرية النازية وفي ذلك تحامل شديد وافتراء خطير على الحقيقة والتاريخ.
بل إن مثل هذه الطروحات التي يجانبها التوفيق، سواء من ناحية الحقيقة التاريخية أو من ناحية المواءمة والكياسة السياسية، قد تفضي إلى مزيد من الخطر المتفاقم في أوضاع الشرق الأوسط في اللحظة الراهنة.. وربما تشتد معها سواعد قوى الرفض ومعها دعوات استخدام العنف في المنطقة وهو ما يهدد كيانها أساسا وما يهدد سائر مناطق العالم وخاصة غرب أوروبا وأميركا على وجه العموم.
من هنا يحذر عقلاء المحللين من وضعية الاضطراب والفوضى، ومن خطورة الخلط المشوش بين الأوراق والمواقف وهو ما دفع بعضا من هؤلاء المحللين إلى استخدام لفظة «مِس» لتوصيف المشهد الراهن في الشرق الأوسط على نحو ما فعلت مجلة «الايكونومست» التي حذرت من تفاقم هذه الحالة المفعمة باحتمالات شرارة تندلع هنا وهناك..
وفي هذا السياق تنشر الايكونومست (عدد 1/9) رسالة صحافية من العاصمة المصرية وقد صدرتها بعبارات تقول في إيجاز شديد: فوضى في العراق.. صراع في لبنان.. ركود في الحالة بين إسرائيل وفلسطين.. تصلّب في موقف إيران مع بصيص يذوي من نمو الديمقراطية.
نفس عبارة الخلط والتشويش وفوضى الأوضاع جاءت عنوانا للمحور المسهب الذي خصصه لأوضاع المنطقة عدد الخريف الممتاز الصادر عن مجلة «نيويورك ريفيو» المعنية بالكتب (عدد 21/9) وشارك فيه ثلاثة من كبار المتخصصين وهم بريان أوركهارت وماكس رودنبيك ثم روبرت ماللي.
في هذا السياق يقول يوركهارت وهو في طليعة خبراء الأمم المتحدة المخضرمين وقد شغل سنوات عديدة منصب وكيل الأمين العام للمنظمة الدولية: من السهل توجيه اللوم الى من نصفهم بأنهم «المتطرفون» إزاء كل هذه المشاهد الطويلة من الرعب في الشرق الأوسط والتي لا تلوح نهاية لها.
لكن لابد أن يتحمل جانبا من هذا اللوم كل الأطراف الأخرى من العالم الخارجي التي لم تكد تفعل شيئا.. وها هي الأمم المتحدة تعجز عبر سنوات طوال عن التصدي لحسم قضايا الشرق الأوسط من خلال قرارات قوية وعادلة واجماعية، تصدرها ولا تتوانى عن متابعة تنفيذها.
في نفس السياق يقول ماكس رودنبيك مراسل الايكونومست في الشرق الأوسط: على القوى الأجنبية (عن المنطقة) أن تنصرف بحكمة وأن تغتنم فرصة للتغيير سانحة بين تلافيف الأزمة الراهنة. بيد أنها ليست «فرصة» ينتهزها الرئيس بوش لمهاجمة أعدائه (الذين يختارهم بمعرفته) بل هي مناسبة تدعو إلى الضغط من أجل المضي قدما نحو تسوية أوسع نطاقا على صعيد الشرق الأوسط،
ومن ذلك التصدي أساسا لقضايا من قبيل استمرار احتلال إسرائيل للجولان السوري: وبمعنى آخر - هي فرصة تقتضي «إشراك» بدلا من «استبعاد» أطراف أساسيين مهما كانت الأسباب التي تدعو إلى بغضهم، أعني حكومتي سوريا وإيران فضلا عن حماس في فلسطين - الأرض التي تتكبد صنوف المعاناة للأسف رغم أنها تعيش في قلب العاصفة التي تدوي أعاصيرها في أرجاء المنطقة.
أخيرا نحيل إلى الأستاذ روبر ماللي وهو من أهم خبراء الشرق الأوسط منذ أيام تعامله مع قضايا المنطقة العربية كمساعد خاص للرئيس السابق كلينتون: المفكر السياسي الأميركي يحذر من تفاقم الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط، وخاصة على ضوء محصلة المواجهة الدموية الأخيرة في لبنان يقول: أول من سقط من ضحايا هذه الحرب الأخيرة هو انهيار السبب الأساسي الذي دفع بإسرائيل الى خوضها.
وهذا السبب هو إظهار مقدرة اسرائيل على الردع وذلك أمر كفيل بأن يدفع كلا من حزب الله وحماس وإيران وسوريا إلى الشعور بأن حظوظهم في حالة صعود وخاصة بعد أن دُمرت أسطورة إسرائيل التي لا تقهر في عين الأغلبية في العالم العربي، ومن هنا يتمثل الخطر الذي يدفع قادة إسرائيل في معاودة توجيه الضربات لإثبات قدرتهم من جديد،
وعليه لن يصبح هدف الصراع محصورا في الإفراج عن جندي أسير أو الاستيلاء على رقعة بعينها من الأرض.. سيصبح الهدف متعلقا بأمور غير محددة المعالم ومن ثم منذرة بمزيد من الأخطار لأنها تتمثل أساسا في محاولة ترسيخ القدرة على ممارسة الردع، وفي الردع (التصدي) المضاد ثم في تحديد قواعد اللعبة وإثبات من يملك في يديه زمام الأمور.
كاتب مصري