تتناقل الصحف منذ مدة ليست بالقصيرة الكثير من الأخبار حول تقديم عدد ليس بالقليل من المدرسين المواطنين لاستقالاتهم، وترد تلك الأخبار أحيانا بصياغة تجعل القارئ لا يتعاطف مع مشكلة أولئك المدرسين أو في أحسن الأحوال لا يعرف الحقيقة حولها، كأن يرد الخبر حول تلك الاستقالات مذيل بخبر آخر حول اكتشاف الوزارة لعدد من الشهادات العلمية المزورة، مما يجعل القارئ يقفز تلقائيا إلى الاستنتاج أن أولئك المعلمين ربما هم أصحاب تلك الشهادات المزورة.
ونحن هنا لسنا بصدد الصياغات الإعلامية، بالرغم من أننا ندرك، ولا نقلل في المقابل من خطورتها أو مقدرتها على التزييف أو التحوير، نحن بصدد القول إن الأنباء التي ترد حول استقالات المدرسين المواطنين، بالأعداد التي توردها الصحف، تجعلنا نشعر حقيقة أن هناك مشكلة، أو ربما مشكلات حقيقية في قطاع التعليم، وأن هذه المشكلات يجب أن نوليها اهتماما أكبر من مجرد تناقلها في الصحف ولفها بمحيط ضبابي.
فقطاع التعليم هو عصب المجتمع الأساس، وبخاصة المجتمع المدني، ومشكلات مجتمع التعليم والمعلمين هي، بالضرورة صورة حقيقية لمشكلات المجتمع وإرهاصاته. لذا فإن هذا القطاع جدير بأن يولى عناية وأهمية خاصة، لأنه يعكس لنا الصورة الحقيقية لطموحاتنا وموقعنا من منظومة التقدم، وحتى من الأمن المجتمعي والتعايش الإنساني.
إن استقالات المعلمين المواطنين، أو حتى وجود جو من التذمر أو عدم الرضى أو القلق في أوساطهم، تجاه المتغيرات التي يعيشونها في وقتنا الحاضر موضوع لا يعني هؤلاء المعلمين فقط، بل هو موضوع ذو صلة جذرية بأمور كثيرة تحدث في مجتمعنا، ومنها العشوائية في التخطيط، أو التفرد بصياغة القرارات، التوجهات التي نلمسها في مجتمعنا هذه الأيام والمرتبطة باستعارة أنظمة تعليم والتوجه نحو استيراد معلمين غير مواطنين،
وكل هذا يعكس لنا في الحقيقة واقع أن هناك مشكلات حقيقية في هذا القطاع، وأن هذه المشكلات يجب أن تعالج بدرجة كبيرة من الصراحة والشفافية والكثير من التخطيط الوقائي الذي ربما يحمينا مستقبلا من الوقوع في مشكلات كالمشكلات التي نسمع عنها هذه الأيام. ولأن التعليم، كما نعرف شأن مجتمعي،
وليس أمرا مرتبطا بالتصورات الفردية أو القرارات الشخصية، فإن أمره يجب أن يطرح في المجتمع بالكثير من الحوار وأن تدرس مشكلاته الحقيقية بشكل موسع، ومن قبل أشخاص في قطاعات مختلفة من المجتمع وتمثل تخصصات متنوعة، إما أن يخطط للتعليم بمعزل عن الرؤى التي تنظر في واقع المجتمع وتدرك أبعاد قضاياه الإدراكية والوجدانية والمعرفية، فإن هذا لن يقودنا إلا نحو مزيد من التخبط ومن الوقوع في مزيد من المشكلات.
إن القريب من واقع التعليم يقر بلا شك أن هناك مشكلات حقيقية فيه، وهذه المشكلات مرتبطة بدرجة أساسية بنوع التخطيط الذي حظي به التعليم، ومرتبطة أيضا بواقع المراحل التي مر بها هذا القطاع. فعلى سبيل المثال، عندما يلام الكثير من المعلمين اليوم على مستوى التحصيل العلمي الذي يحملونه، فإننا يجب أن نضع في اعتبارنا أن التوجه في مرحلة ما من التعليم كان يستند بدرجة كبيرة على سد احتياجات هذا القطاع من المعلمين،
وبالذات من المعلمين المواطنين، وأن وزارة التربية والتعليم، بتوجيهات من مستشاريها ومن مسئوليها، هي التي وضعت المعايير التي أفرزت لنا نسبة كبيرة من معلمين هم، بالدرجة الأولى في حاجة كبيرة إلى أن تتم إعادة تأهيلهم أو تدريبهم، أو، في أسوأ الأحوال استبدالهم. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هنا وأن نواجهه بالكثير من الصراحة والواقعية هو،
هل هؤلاء المعلمون هم المسئولون الفعليون عن المشكلات التعليمية التي يشار إلى أنها برزت بشدة في قطاع التعليم، ومنها تدني التحصيل العلمي لدى الطلبة أو الاستناد على أساليب التلقين أو غياب القدرات الإبداعية والابتكارية في أعداد كبيرة في هذا القطاع. وهنا أقول إنه إذا كانت هذه المسألة حقيقية هل كل الأعداد من تلاميذنا، الذين تخرجوا من المدارس الحكومية تحديدا، يعانون من قصور في الفهم،
أو أنهم لم يؤدوا الوظائف المطلوبة منهم بشكل جيد، أو أنهم عجزوا عن النهوض بمتطلبات مجتمعهم، أو حتى التعايش بشكل حضاري مع الآخرين؟ كل هذه الأسئلة يجب أن تطرح وأن ندرسها بشكل عميق حين التخطيط لحاجات التعليم، لأن التعليم، كما يعرف المعنيون والمختصون فيه، لا يرتبط فقط بالمعلومات التي يتلقاها الطالب، وإنما يشكل التعليم ركيزة أساسية من عملية صياغة وجدان الأمة وحقيقة وجودها في الحياة.
وهنا لابد من القول أنه إذا كانت لدينا حقيقة مشكلة في نوعية تعليم معلمينا، فإن التخلي عنهم أو التخلص منهم واستبدالهم بمعلمين وافدين، وغير عرب تحديدا، هو بالمقابل مشروع يجب أن تدرك أبعاده وأن يطرح وأن يدرس هو الآخر بشكل موسع، وذلك حتى لا نكون قد استبدلنا مشكلاتنا بمشكلات أكبر منها وأكثر خطورة على مجتمعنا.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أننا أحيان نستشعر شيئا من القلق حين نسمع أحد المسئولين في قطاع التعليم يشير إلى أن التوجهات الجديدة في هذا القطاع تسعى نحو الاستفادة من تجارب الغرب أو أننا نريد أن نصل بمستوى مدارسنا إلى مستوى المدارس الأميركية، لأن الذي يعرف حقيقة تلك المجتمعات يعرف أن أنظمتهم التعليمية،
في جانبها العام، وليس الكلي، قد أفرزت لنا ما نعاني منه نحن اليوم من مشكلات على صعيد الانتهاكات الحقيقية الكثيرة لحقوق الإنسان وبناء مجتمعات تقوم على اعتقاد التفوق وعدم الاعتراف بحق الآخرين في بناء حياة كريمة، كما أن أنظمة التعليم تلك قد أفرزت أيضا ما يسمى بحالة «الاغتراب» التي يعيشها قطاع كبير من البشر في الغرب،
وهي حالة إما تقوم بدفع الكثيرين منهم إلى المعاناة النفسية، أو تدفع بعضهم نحو الهجرة الوجدانية باتجاه الشرق بحثا عن ركيزة إيمانية تعيد إليهم توازنهم النفسي. كما أن الذي يقول بسعينا نحو التمثل بالمدارس الأميركية ربما لم يزر تلك الولايات ولم يدرك أبعاد المشهد اليومي الذي يراه الإنسان حين يمر بتلك المدارس والمتمثل في وجود عربات للشرطة بشكل دائم على بوابات أغلبها نظرا لوجود مشكلات كبيرة في تلك المدارس متعلقة بالمخدرات وبالعنف اليومي الذي يصل أحيانا إلى درجة وجود جرائم قتل واستخدام لمختلف الأسلحة.
نحن لا شك مدركين أن هناك مشكلات في قطاع التعليم لدينا، وأن بعضها مشكلات ليست بالهينة، بل هي مشكلات حقيقية، وأن معالجة هذه المشكلات أمر لا بد من تحمله والعمل عليه بكل تفان وإخلاص، لأنه هو الذي سيعكس لنا نوعية المجتمع الذي نريد أن نكون عليه.
لكننا نعود ونؤكد أن مشكلات التعليم شأن مجتمعي، وليس شأنا فرديا، وأن تناولها بوضوح وشفافية، وكذلك دراسة عمقها وأبعادها المختلفة، ومن قبل المختصين في هذا الشأن، ضرورة أساسية إذا كنا حقيقة نسعى لما فيه خير هذه البلاد وشعبها. وكلمة أخيرة لا بد أن نذكرها أو نذكر بها، وهي أن هناك دولا قبلنا قد تبنت منظومة «التغريب» في مناهجها، بناء على توجهات استعمارية معينة، ومنها الجزائر،
وأن لهذه الدول، نتيجة لتبني تلك السياسات مظاهر وظواهر مجتمعية يجب أن نقوم بدراستها، حتى لا نصل إلى ما وصلت إليه من نتائج، أو بعضها، وأننا إذا كنا حقيقة نسعى لما فيه خير هذه البلد فإن الشأن التعليمي يجب أن يعاد إلى أهل الاختصاص فيه من أبناء البلد أنفسهم، لأنهم هم الذين يعرفون ويدركون أبعاد حاجاتهم المجتمعية ومركزهم الحضاري وقيمهم الإنسانية وهم، أكثر من غيرهم الحريصين على نوعية التعليم الذي يجب أن يتلقاه أولادهم، وهم أيضا القادرون أكثر من غيرهم على تجسيد كل الأبعاد المتعلقة بكيانهم الحضاري ونوعية وجودهم في الحياة.
جامعة الإمارات