بات واضحا أنه من أولويات المصالح الاستراتيجية لروسيا تركيز اهتمامها نحو الأسواق الآسيوية،وبشكل خاص تجاه الصين،ويدرك الكرملين هذه الحقيقة، باعتبار أن الأسواق الصينية قادرة على استيعاب جزء كبير من النفط والغاز الروسيين، إضافة إلى المعدات العسكرية الروسية.

ويمكن القول إن الأسواق الصينية تعتبر المنفذ الجديد للغاز الروسي في ظل مساعي بعض الأطراف الأوروبية للبحث عن مصادر بديلة له. وفى الوقت الذي شعرت موسكو فيه بخطر تقلص وارداتها من الغاز لأوروبا التي تستغل معادلة احتكار المستهلك ضد منتجي الغاز،تقدمت بكين بمشروع اتفاقية للحصول على كميات من الغاز الروسي تصل إلى نصف حجم صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا.

وقد أعتبر المراقبون ان خطط الحكومة الروسية لزيادة أنتاج النفط والغاز تستهدف تغطية الاتفاقات التي وقعت مع الصين والتي ستقوم روسيا بموجبها بإمداد المؤسسات الصينية بالطاقة، وتدرس بعض الشركات الروسية مشروع تشييد شبكة من محطات الوقود في عدد من الأقاليم الصينية،بهدف الدخول إلى أسواق مشتقات النفط فى الصين، والانتقال من تصدير النفط الخام، إلى تصدير مشتقات النفط مثل البنزين العالي الجودة ووقود الديزل والشحوم.

وقد أعلن رئيس شركة «روس نفط» سيرجي بوجدانتشيكوف أن شركة النفط الروسية ستقوم بتوريد 7 ,12 مليون طن من النفط ومشتقاته الى الصين خلال العام الحالي، منها 9 ملايين بموجب عقد مع شركة النفط والغاز الحكومية الصينية.

وجاءت هذه التصريحات عقب إعلان الرئيس بوتين عن توقيع اتفاقية بين موسكو وبكين ستقوم الشركات الروسية بموجبها بإمداد الصين بحوالي 60 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي،هذا الوضع لا يعود فقط على البلاد بالفائدة، وإنما سيدفع أوروبا إلى دخول فى المنافسة على موارد الطاقة الروسية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية والصين. خاصة ان احتياجات أوروبا للغاز في تزايد مستمر. ويتوقع ان تحتاج أوروبا بعد مرور 10 أعوام إلى ما يزيد عما تستورده من روسيا الآن ب60 - 07 مليار متر مكعب.

وسيجبر الوضع الحالي شركة «غاز بروم» على استثمار حقول جديدة لإنتاج مالا يقل عن 300 مليار متر مكعب من الغاز سنويا.وبالرغم من توفر هذه الإمكانات إلا أن المشكلة تكمن فى صعوبة استخراجها وارتفاع نفقات استثمار هذه الحقول. أذ تبلغ تكاليف استثمار حقول الغاز في شبه جزيرة يامال أكثر من 70 مليار دولار. بينما ستوفر هذه الحقول 250 مليار متر مكعب مع بداية عام 2030 فقط.لا يستبعد ان يكون الإعلان عن ظهور منافس آخر يطلب الغاز الروسي (الصين) يستهدف إقناع الأوروبيين بشراء الغاز الروسي بأسعار مرتفعة.

ومما لاشك فيه أن توجه روسيا إلى الأسواق الآسيوية وتسويق منتجاتها من الغاز والنفط فى هذه الأسواق، خطوة باتجاه مواجهة احتكار المستهلك، ولتجنب أية محاولات لممارسة ضغوط اقتصادية على روسيا عبر إيجاد بدائل للنفط والغاز الروسي.وهو فى نفس الوقت يمكن موسكو من توطيد نفوذ في مختلف دول القارة الأسيوية، باعتبار أن هذا الأسواق ستعتمد على مصادر الطاقة الروسية.

وخلال مباحثات الرئيس فلاديمير بوتين مع الرئيس الصيني هو جين تاو في ربيع العام الحالي حول تطوير سبل التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية بين البلدين، أعلن بوتين أن تنفيذ خطة العمل لفترة أعوام 2005 2008 الرامية إلى تطبيق بنود معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون يحقق نجاحات متميزة. وكان واضحا أن التعاون فى مجال الطاقة قد شغل حيزا أساسيا فى هذه المباحثات التي أسفرت عن اتفاقية لتنفيذ عدة مشروعات لمد أنابيب نقل النفط والغاز وزيادة حجم صادرات الفحم والكهرباء.

إضافة إلى مشروع إنشاء خط أنابيب لنقل النفط والغاز من شرق سيبيريا إلى شواطئ المحيط الهادئ. وقد أعلن بوتين إن التعاون بين روسيا والصين في مجال الطاقة لا يقتصر على صادرات المحروقات،بل يشمل أيضا صادرات معدات الطاقة إلى الصين،والطاقة الذرية، مؤكدا على أن روسيا ستواصل تصدير الغاز والنفط إلى الصين.

ويبدو واضحا أن البلدين يحرصان على تطوير التعاون الاقتصادي حيث تضاعف حجم التبادل التجاري المشترك في الفترة الممتدة بين 2001-2005 من 67 ,10 مليار إلى 1 ,29 مليار دولار. مما يعنى أن متوسط وتائر النمو السنوي للتبادل التجاري بين روسيا والصين يصل إلى 30%. ويسعى البلدان لزيادة حجم التبادل التجاري ليصل إلى 60-80 مليار دولار بحلول عام 2010.

ويتميز التعاون الاستثماري الثنائي بين روسيا والصين بآفاق حيوية للبلدين،وهو ما يؤكده تزايد اهتمام الشركات والمؤسسات الصينية في استثمار رؤوس أموال في السوق الروسي. حيث بلغ عدد المشاريع التي تنفذ بمشاركة مؤسسات صينية في روسيا 657 مشروعا. أما حجم الاستثمارات الصينية في روسيا فقد وصل إلى حوالي 320 مليون دولار. كما بلغ الحجم الكلي للاستثمارات المتراكمة للشركات الصينية في روسيا 977 مليون دولار. وبالإضافة لذلك يشغل التعاون العسكري بين البلدين حيزا هاما فى إطار العلاقات الثنائية.

حيث تعتبر الصين أكبر سوق للسلاح الروسي، وتستأثر وحدها بـ 40% من صادرات السلاح الروسي، في حين تشكّل الأسلحة الروسية 70% من إجمالي واردات الصين من الأسلحة.ويبلغ حجم مشتريات الصين من السلاح الروسي حوالي ملياري دولار سنويًا.وقد وقع الجانبان منذ عامين اتفاق استراتيجي حول «التعاون التكنولوجي المتعلّق بالقضايا العسكرية» كجزء من الخطّة المشتركة لتعميق العلاقات الاستراتيجية الصينية-الروسية و الشراكة و التعاون وتنميتها. ويذكر أن روسيا والصين كانتا قد أجريتا أولى مناوراتهما العسكرية المشتركة في العام الماضي وهما تتطلعان لتكرار هذه التجربة.

وتنامي التعاون مع بكين يعتبر من أهم محاور السياسة الروسية الخارجية التي تتطلع لبناء مثلث استراتيجي فى المنطقة الآسيوية، لتشكل قطبا إقليميا في مواجهة الزحف الغربي، وإيقاف محاولات واشنطن لنشر قواتها في آسيا. وهو يأتي ضمن أطار مساعي موسكو لبناء عالم متعدد الأقطاب، ويعيق هذا المشروع وضع العلاقات الصينية- الهندية، والتي بدأت تتجاوز حالة التوتر، بعد انفتاح الدبلوماسية الصينية على مدار العامين الماضيين في إطار تعديل إستراتيجيتها.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا