في تقرير سري يتضمن خلاصة أوسع دراسة عن الإرهاب العالمي، قام مجلس الاستخبارات القومي الأميركي بإجرائها، منذ احتلال العراق عام 2003، كُشف النقاب عن حقيقة مهمة، كانت واضحة لمعظم من يتابع الوضع السياسي في الشرق الأوسط، وهي أن الوجود الأميركي في العراق قد ساعد على انتشار الحركات الإسلامية المتطرفة ومنحها بؤرة جديدة مهمة لتحدي الولايات المتحدة وحلفائها، وقد أسهم في إعداد هذا التقرير ست عشرة وكالة مخابرات أميركية.
وقد أشار التقرير إلى بعض النجاحات التي تحققت في محاربة الإرهاب منها النجاح في تفكيك قيادة القاعدة وجعلها عاجزة عن القيام بعمليات بمستوى عمليات الحادي عشر من سبتمبر. إلا أنه قد أشار كذلك إلى ان الخلايا الإرهابية قد تمكنت من استخدام ما يزيد على خمسة آلاف موقع على الإنترنت لإعادة تنظيم صفوفها بأسلوب يتناسب مع الواقع الجديد.
وقد تبين بأن هذا التقرير قد أنجز من قبل المجلس المذكور في أبريل المنصرم ولم يسمح بنشره في حينه، وقد اطلع الرأي العام عليه بعد نشر الجزء الذي تسرب منه إلى صحيفة النيويورك تايمز التي قامت مؤخراً بنشره.
ولإلقاء نظرة سريعة على أهمية التقرير، نقتطف بضع كلمات قيلت في حفل إحياء الذكرى الخامسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر: قال الرئيس جورج بوش: «إن الإدارة الأميركية والكونغرس والأمم المتحدة قد رأوا الخطر بعد الحادي عشر من سبتمبر، لقد كان نظام صدام حسين يمثل الخطر الذي لا يسمح العالم بوجوده، العالم أكثر أمناً فصدام حسين لم يعد في السلطة، وإن أمن الولايات المتحدة يعتمد على نتائج المعارك التي تدور في شوارع بغداد».
قالت الوزيرة رايس: «أعتقد بأنه من الواضح بأننا أكثر أمناً ولكن ليس آمناً تماماً، لقد قمنا بإنجاز الكثير، فموانئنا أكثر أمناً ولدينا أجهزة مخابرات أقوى من قبل تقوم بعملياتها، لقد قمنا بتسديد ضربات قوية إلى منظمة القاعدة». قال تشيني: «أنا لا أرى كيف يمكن أن تكون أفضل من كونك لم تهاجم في السنوات الخمس الماضية، إن الواقع هو أن العالم أكثر أمناً وصدام حسين خارج السلطة، تصور ماذا سيكون وضعنا لو كان باقياً فيها».
وهكذا نرى حجم التعارض بين ما ادعاه الرئيس الأميركي وكبار مساعديه خلال الحفل المذكور، حول الربط بين أمن الولايات المتحدة والنظام العراقي السابق، وبين ما ورد في التقرير، سواء في الاستنتاجات التي توصل إليها، أو في النبرة التي صيغت فيها ديباجته.
فالتقرير يرسم صورة متشائمة للواقع العراقي ولمدى الفشل في محاربة الإرهاب يتعارض مع الصورة المتفائلة التي حرص المسؤولون الأميركان على رسمها في تصريحاتهم.
وليس التقرير المشار إليه هو الوحيد الذي يرسم صورة غير التي يريدها الرئيس الأميركي عن العراق، فقد كشف تقرير نشرته الأمم المتحدة قبل أيام قليلة بأن 7000 عراقي قد قتل في الشهرين الماضيين بمعدل يزيد على مئة قتيل يومياً بفعل الاحتقان الطائفي والتفجيرات وأعمال العنف المتفرقة الأخرى، التي تتركز في بغداد أكثر من المدن الأخرى، وهو رقم أكبر كثيراً من أكثر التوقعات تشاؤماً.
وفي تعليق على الموضوعية والتوازن التي اتسم بها التقرير ذكر أحد مسؤولي المخابرات الذي اطلع عليه «إن التقويم الذي تضمنه التقرير يتسم بالنزاهة وعدم الانحياز وهو في منتهى الوضوح».
ويعتبر تعليق السناتور ادوارد كندي أبلغ ما قيل عن هذا التقرير فقد قال: «سوف يضع هذا التقرير المسمار الأخير في نعش إدعاءات الرئيس بوش الزائفة حول الحرب في العراق، فكم يلزم من التقارير التي تصدر عن جهات مستقلة، وكم يلزم من ضحايا جدد يسقطون في العراق، وإلى أي مدى يبلغه العراقيون في انحدارهم نحو الحرب الأهلية، كي يستيقظ البيت الأبيض ويعمد إلى تغيير إستراتيجيته في العراق».
ويعتبر التقرير الذي نحن بصدد الحديث عنه، ضربة قوية وقاسية للسياسة الأميركية وللإدارة التي يترأسها جورج بوش ولطاقم الجمهوريين المحافظين. كما أنها ضربة قوية لحليفه البريطاني توني بلير الذي يترنح هو الآخر تحت ثقل الأزمات التي يواجهها أمام الرأي العام البريطاني وأمام حزبه بشكل خاص حيث يجري تحدٍ صريح لزعامته ولأهليته كمرشح لحزب العمال في الانتخابات القادمة من قبل المنافس القوي على الزعامة غوردن براون، فرئيس الوزراء البريطاني قد سوق غزو العراق إلى مواطنيه منطلقاً من محاور مماثلة لمحاور الإدارة الأميركية.
كما يعتبر التقرير ورقة رابحة قوية بأيدي الديمقراطيين الذين يرون إن خسارة مرشحهم في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة قد تأتي بسبب تركيز الجمهوريين في حملتهم الانتخابية على التضخيم من أهمية سياسة مكافحة الإرهاب كمدخل للأمن القومي الأميركي. فهذا التقرير يُعضد من طروحاتهم ودعواتهم المتكررة في الكونغرس إلى ضرورة البحث عن مسار جديد في الحرب المعلنة من قبل الولايات المتحدة على الإرهاب.
كما سيزيد التقرير من عزلة الإدارة الحاكمة ويضعف شعبية الرئيس بوش، الضعيفة أصلاً، في الوقت الذي يوسع فيه مساحة فرصة الديمقراطيين للسيطرة على الكونغرس في الانتخابات النصفية القادمة في نوفمبر. ولكن ما هي العواقب المحتملة لتقرير كهذا؟
هل ستعمد الإدارة الأميركية إلى نهج إستراتيجي جديد في التعامل مع الإرهاب العالمي، أم تعمد إلى مساحيق تجميل مؤقتة للظهور بزي مناسب في مواجهة انتخابات نوفمبر القادم؟
لا شك أننا سوف نلمس شيئاً ما خلال الفترة القادمة في العراق، ولكن من المتوقع بأن هذا الشيء لن يتعدى تسليط المزيد من الضغوط على الحكومة العراقية ومطالبتها بالمزيد من التفعيل للملف الأمني، مع أن هذه الحكومة لم تأل جهداً في هذا المجال.
بالرغم من كونها أسيرة عدد من الاستحقاقات التي قد يتصادم بعضها مع البعض الآخر، مما يحتم أن تعمد الولايات المتحدة إلى خوض معارك عسكرية جديدة في العراق دون ضمان نتائج إيجابية سياسية لهذه المعارك. إن الشارع السياسي العراقي معقد للغاية ولم تستطع الولايات المتحدة حتى الآن سوى تجاهل ذلك مفترضة أن الأجندة التي تطرحها تعمل كبلسم لجميع الجروح.
قد تخامر أذهان البعض توقعات بأن تعمد الإدارة الأميركية إلى القيام بالبحث عن بدائل لسياساتها في الشرق الأوسط، وفي العراق بالذات، وهذا التوقع قد يكون في محله فعلاً لو كانت هذه الإدارة تتمتع بالمرونة السياسية اللازمة، وكانت حريصة فعلاً على استتباب السلم والأمن في العالم، وساعية حقاً إلى القضاء على بؤر التوتر فيه. ولكن واقع الأحداث يشير إلى غير ذلك لسببين:
أولهما: منذ صعود التكتل الجمهوري المحافظ الحاكم اتسمت السياسة الأميركية بالغطرسة والتعالي وأصبحت مواقف الإدارة الحاكمة في صلابة قناعاتها أقرب إلى الأصوليين المتصلبين الذين تطاردهم الولايات المتحدة نفسها. فطاقم الحكم الأميركي مكون من مجموعة متزمتة لا تتسم مواقفها بالمرونة ولا تسمح آفاق إستراتيجيتها بالتراجع، خاصة وأن التقرير لا يلزم هذه الإدارة بتغيير سياساتها رغم أنه يضعفها كثيراً، إذ انه صدر عن جهة تابعة للإدارة نفسها.
ثانيهما: إن هذه الإدارة هي في دورتها الثانية، وهذا يحررها من هاجس التخوف من الفشل في الانتخابات الرئاسية القادمة رغم أن الحزب الجمهوري هو الذي قد يحصد تداعيات هذه السياسات.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae