رغم الأمل الذي أبداه الكثير من الفلسطينيين في إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية للخروج من المأزق السياسي الذي باتوا يعيشونه بفعل الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضه المجتمع الدولي عقاباً لهم على خيارهم الديمقراطي الذي أوصل حماس إلى السلطة ورفضها الخضوع للإملاءات الصهيونية والأميركية.

هذا الأمل بدأ يتهاوى تحت ضربات التصريحات المتناقضة ومحاولات أطراف داخلية وضع العقبات في طريقها وسط اشتراطات خارجية تهدف إلى منع أية حالة من التوافق قد يتوصل إليها الفلسطينيون لإعادة الهيبة لجبهتهم الداخلية واستقرارها وكسر الحصار الدولي المفروض عليهم.

قرار التجميد هذا وبحسب الحكومة حاولت أطراف داخلية فلسطينية توجيهه في وجهة غير صحيحة عبر تفسيرات عدة أهمها: إيهام الشارع الفلسطيني أن المفاوضات حول التشكيل فشلت، سيما وان الولايات المتحدة بادرت إلى الإعلان عن رفضها للتشكيلة الجديدة قبل الإعلان عن برنامجها مفضلة فرض إملاءاتها على أبو مازن قبل عودته إلى فلسطين.

جميع الدول والبنك الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية تحذر من كارثة إذا لم تقدم المساعدات للشعب الفلسطيني. والولايات المتحدة ما زالت مصّرة على رفض إدخال أية أموال للحكومة الفلسطينية بحجة أنها حكومة حماس ويجب محاصرتها حتى تتنازل عن مواقفها.

لماذا هذا الحصار الاقتصادي على الحكومة الفلسطينية؟

الجواب واضح وهو منع هذه الحكومة من الاستقرار والعمل على إبقائها منهمكة في موضوع تأمين الرواتب بدلاً من الانهماك في إعادة بناء المؤسسات، وإحداث إصلاحات وتركيز اهتمامها على تحسين الأداء الفلسطيني. ويريد الخصوم أيضاً أن يدفع الشعب الفلسطيني ثمن انتخابه لحركة حماس في الانتخابات التشريعية، ويريدونه أن ينتفض ضد السلطة أو ضد الحكومة التي لا تستطيع تأمين لقمة العيش للمواطن الفلسطيني..

ليس المهم للدول المانحة أو للدول المخاصمة للسلطة الفلسطينية معاناة المواطن الفلسطيني وحتى لو وصل الوضع إلى كارثي بل المهم هو أن تحقق هذه الإجراءات النتائج المرجوة وأهمها، أن تقبل حماس بالشروط التي تمليها عليها إسرائيل وأميركا وان تعترف بالدولة العبرية وتخضع لاملاءات بوش وأولمرت.

فالوحدة الوطنية كانت نتيجة لا مفر منها أمام تفاقم أزمة الوضع الداخلي الفلسطيني وحالة شبه الانهيار الاقتصادي والاجتماعي التي ربما تساهم تلك الحكومة في منعها، وهي أيضا تعبير عن التقاء في منتصف الطريق بين الرئاسة «فتح» والحكومة «حماس» بعد إدراك كل منهما استعصاء تحقيق أي انجازات إلا بتعاونهما بدلا من نهج الاتهامات والتوتر على مدار الشهور السابقة.

الرئاسة «فتح» أخذت تتفهم أن الصلاحيات الممنوحة وفق الدستور للرئيس، ومهما كانت شرعيتها مثل الإعلان عن إقالة الحكومة وتشكيل حكومة طوارئ وطرح استفتاء شعبي حول انتخابات جديدة لن يكون حلا للمشاكل الداخلية، كما إن الحكومة الفلسطينية أدركت بعد تجربتها في الحكم أنها لا تستطيع تسيير دفة الأمور وحدها خاصة في ظل موقف إسرائيلي وإقليمي ودولي يضع العراقيل أمامها ويشدد الحصار الاقتصادي والسياسي تجاهها ما اضطرها إلى القبول بصيغة تزيح مسؤولياتها عن عدد كبير من الوزارات.

الجميع يدرك أن إسرائيل لا تريد حلاً بالتفاوض مع الفلسطينيين وإنما تريد فرض حل أحادي عليهم بالقوة وبتشجيع من الولايات المتحدة. فلن يروق للجانب الإسرائيلي أي تقارب بين فصائل الشعب الفلسطيني، لان أي تقارب يعني أن هذه الحكومة ستشكل لها أزمة كبيرة خصوصا إذا تم التعامل معها أوروبيا.

الرهان على تحقيق نجاحات سياسية في ظل حكومة الوحدة الوطنية سيكون سابقاً لأوانه، لا يجب عقد آمال كبيرة عليه في الوقت الراهن،بالنظر للتحولات الجارية، لكن من الواجب أن تقوم بتوظيف كل إمكانياتها من اجل إعادة الحياة إلى الاقتصاد الفلسطيني والعمل على ضبط الفوضى الأمنية.

إذن لا يتطلب تحصيل الرواتب التخلي عن القدس ولا التنازل عن القضية الوطنية، بل المطلوب هو وضع مصلحة فلسطين فوق كل اعتبار، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية القادرة على إخماد اللهيب الداخلي ومواجهة الاملاءات الخارجية بمنطق المقاومة.

benhadnal@yahoo.fr