حتى عام 1999 كانت معظم تقارير مراكز دراسات الطاقة في العالم تشير إلى أن احتياطيات النفط العالمي تكفي حتى نهاية القرن الواحد والعشرين كحد أقصى، وأن البشرية يجب أن تسارع بالبحث عن مصادر طاقة بديلة للنفط نظرا لأنه كلما مرت السنون كلما زاد الصراع على البقية المتبقية من النفط، بمعنى أن المتبقي يقارب التسعين عاما.
ورغم هذا تشتعل الحروب الكبيرة من أجل النفط، وكلما قلت السنون المتبقية سيزداد الصراع، وخاصة في مناطق تواجد احتياطيات النفط، بمعنى أن الشرق الأوسط مرشح للمزيد من الحروب الأكثر شراسة مما هي عليه الآن لما يحتويه من احتياطات نفط، ولم تمض خمس سنوات من القرن حتى تغيرت التوقعات مع نمو الطلب المتزايد على النفط.
وخاصة من الدول التي تشهد معدلات نمو عالية في التنمية الصناعية مثل الهند والصين وماليزيا وغيرها، وتفيد آخر تقديرات مراكز دراسات الطاقة أنه إذا استمرت معدلات استهلاك النفط على النمو الحالي فلن تتبقى قطرة نفط واحدة حتى عام 2070.
الكثير من الدول المتنبهة للأزمة دقت بالفعل ناقوس الخطر للإسراع بالبحث عن الطاقة البديلة، ولا يوجد مرشح ليحل محل النفط سوى الطاقة النووية، وخاصة لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع، وقد بدأت بالفعل الصراعات على سوق الطاقة النووية العالمية والتي تطمح دولة مثل روسيا لأن تشغل فيها الصدارة لما يتوفر لديها من أكبر احتياطي عالمي من الوقود النووي .
ومن اليورانيوم المخصب اللازم لتشغيل محطات الطاقة النووية، اضافة لما تملكه روسيا من تقنيات عالية وقليلة التكلفة في مجال بناء المحطات النووية، وربما هذا يفسر بوضوح سر تمسك روسيا بالتعاون مع إيران لإتمام برنامجها النووي ورفض موسكو لكل توسلات واشنطن وإسرائيل لوقف التعاون مع إيران.
موسكو تحاول أن تبدي من الآن حسن نيتها في التعامل مع سوق الطاقة النووية، وقد تقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمبادرة في هذا المجال لقمة الثمانية الكبار التي انعقدت في سان بطرسبرغ في يوليو الماضي اقترح فيها شكلا ديمقراطيا وإنسانيا لتوفير الطاقة النووية لكل دول العالم حسب حاجاتها، وذلك عن طريق إنشاء مستودعات دولية للوقود النووي أشبه ببنك دولي يمنح هذا الوقود لمن يحتاج إليه لتشغيل محطات نووية.
وذلك تفاديا لاحتكار دولة أو دول معينة لهذه الطاقة الجديدة وتفاديا لاندلاع نزاعات وحروب عليها مثلما يحدث الآن مع النفط، وتبرعت روسيا من خلال مبادرتها بأن تكون المساهم الأكبر في تمويل هذا البنك الدولي أو المحطات الدولية بالحصة الأكبر من الوقود النووي، وحتى الآن لم تتلق روسيا ردا على مبادرتها من الدول الأخرى.
وخاصة من الدول الصناعية الكبرى التي لا يتصور أحد أن تقبل بتسيّد روسيا لهذه السوق الواعدة القادمة وتحكمها في الوقود النووي؛ تمنح من تشاء وتمنع عن من تشاء، خاصة.
وأن العامين الماضيين كشفا للجميع أن روسيا أصبحت على وشك التحكم في السوق العالمية للغاز الطبيعي وأصبحت تتحكم في أكثر من 30% من واردات أوروبا من الغاز باعتبارها تملك أكثر من ثلث الاحتياطي والانتاج العالمي من الغاز الطبيعي، ولا يوجد من يفترض حسن النية ويمنح ثقته في دولة مثل روسيا بعد سبعين عاما من الحرب الباردة العلنية وعقد ونصف من الحرب الباردة الخفية.
وعلى ما يبدو أن روسيا لن تنتظر حتى يوافق الآخرون على مبادراتها، خاصة وأن الجميع مشغولون بالصراعات على ما تبقى من النفط، ولهذا قررت روسيا غزو سوق الطاقة النووية العالمي باعتبارها السوق الواعد وطاقة المستقبل كما يصفونه، فقد أعلنت الوكالة الفيدرالية الروسية للطاقة الذرية في أغسطس الماضي عن تعاقدات روسية خارجية لبناء نحو خمسين محطة توليد كهرباء بالطاقة الذرية في العديد من دول العالم.
وصرح رئيس الوكالة سيرجي كيرينكو للصحافيين أن هذه المحطات تم الاتفاق النهائي على بعضها والاتفاق المبدئي أو التمهيدي على البعض الآخر، وأن تكلفتها كلها مجتمعة ستتراوح ما بين 50 إلى 60 مليار دولار، مع العلم بأن هذه التكلفة تقل عن نصف تكلفة بناء هذه المحطات بتكنولوجيا غربية وفي نفس الوقت يجري الاستعداد لإنشاء نحو 58 محطة نووية أخرى لتوليد الكهرباء على الأراضي الروسية.
وستتولى شركة ( أتوم ستروي إكسبورت ) الروسية بناء المحطات في الدول الأجنبية، وقد بدأت بالفعل ببناء ثلاث محطات في تايوان والهند وإيران، وستبدأ قريبا في العمل في محطتين في تركيا وبلغاريا، كما تم الاتفاق على بناء محطة كبيرة أخرى في المغرب أثناء زيارة الرئيس الروسي بوتين لها في مطلع سبتمبر.
حتى الآن لا يوجد منافس لروسيا في السوق العالمية لبناء المحطات النووية نظرا للعروض الروسية المتميزة بانخفاض الأسعار بشكل كبير وللخبرة الروسية العالية في هذا المجال، بالإضافة لضمانات الصيانة الدائمة التي تقدمها روسيا ضمن تكلفة عقد البناء بخلاف الشركات الغربية التي لا تقدم هذه الضمانات، كما أن روسيا تملك أكبر احتياطي للوقود النووي في العالم والذي يضمن للدول المتعاقدة استمرار تشغيل المحطات بلا توقف.
ويبدو أن الولايات المتحدة الأميركية تستوعب جيدا قدرات روسيا في هذا المجال، حيث سعت واشنطن خلال التسعينات إلى توقيع اتفاق مع روسيا لاحتكار شراء اليورانيوم الروسي وبعرض مغر للغاية وكاد الرئيس الروسي السابق يلتسين أن يوافق على العرض الأميركي لولا المعارضة البرلمانية التي تنبهت لخطورة الصفقة على مستقبل روسيا في السوق النووية القادمة فأوقفتها استنادا لقانون التجارة الخارجية الروسي الذي يمنع احتكار أية جهة أجنبية لأي منتج روسي.
وعلى ما يبدو أن واشنطن تراجعت مؤخرا وقررت عدم الخوض في المنافسة مع روسيا واختارت أن تتعاون معها في هذا المجال في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلدين .
وقد كتبت صحيفة واشنطن بوست في السابع من سبتمبر الجاري تقول إن الرئيس الأميركي بوش أبدى موافقته على التعاون مع روسيا في المجال النووي المدني بدون أية شروط، وقالت الصحيفة ان واشنطن كانت ترفض هذا التعاون وتضع شرطا أساسيا له هو تخلي روسيا عن التعاون النووي مع دول لا ترضى عنها واشنطن مثل إيران وغيرها.
ولكن على ما يبدو أن الإدارة الأميركية استوعبت خطأ هذا الرفض ومخاطره فقررت التعاون مع روسيا قبل أن تضيع منها هذه السوق الواعدة التي يتوقع أن تختلف موازين القوى والصراعات فيها كثيرا عن السوق النفطية التي شهدت وما زالت تشهد صراعات حادة وحروباً كثيرة.
جامعة سيبيريا
