عاد رابح كبير أحد قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر إلى بلاده، بعدما عاش في المنفى بألمانيا ما يزيد على الثلاث عشرة سنة. وهذه العودة يمكن التعامل معها على انها تمثل نقطة تحول فارقة في علاقة الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالسلطة الجزائرية، وفى نفس الوقت مؤشراً على المنحى الذي سوف تتخذه السياسة الجزائرية في الأشهر القليلة المقبلة.
فهذه العودة يبدو من سياقها ومن التصريحات التي صدرت عن كبار قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعدها مثل مدني مرزاق وعباسي مدني وآخرين أنها تأتي حلقة في سلسلة حلقات تنتهي في النهاية إلى التطبيع الكامل بين الدولة والجبهة الإسلامية للإنقاذ وفقاً لشروط جديدة ليس من بينها إعادة الجبهة إلى الوجود ولكن من الممكن ان تشمل السماح لقيادات الجبهة بالعمل السياسي سواء في إطار حزب جديد يشكلوه أو من خلال الأحزاب القائمة ومنها أحزاب متعددة يمكن اعتبارها تمثل الصوت الإسلامي.
وقد جاءت تصريحات كبير في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد وصوله إلى بلاده بيوم واحد لتؤكد هذا الطرح لكنها لم تضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالمدى الزمني الذي سوف تتخذه هذه الخطوة وأيضاً فيما يتعلق بمدى موافقة كل الأطراف داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ على تصور موحد للخطوة المقبلة خاصة وان تصريحات علي بلحاج أحد كبار قيادات الجبهة أعطت مؤشراً على عدم وجود هذا التصور الموحد حتى لحظة وصول رابح كبير.
فالمتابع لهذه التصريحات التي صدرت عن شخصيات متعددة داخل الجبهة تمثل تيارات وأجيال متعددة بها يمكنه ان يتوصل إلى نتائج متناقضة ومؤشرات ذات مضامين مختلفة، وهو الأمر الذي يمكن ان يزيد أي مراقب ارتباكاً يضاف إلى الارتباك العام الذي يصاب به من جراء المتابعة المتوالية للأزمة الجزائرية.
ففي الوقت الذي ركز فيه كبير على ضرورة تجاوز الماضي بما فهم منه تجاوز صيغة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ذاتها مع ضرورة البحث عن صيغة تمثيلية أخرى نجد بلحاج يرفض الحديث عن الشأن السياسي ومدني يطالب الجماعة السلفية للدعوة والقتال بإلقاء السلاح والانضمام إلى المصالحة الوطنية، أما مدني مرزاق فقد أعلن أن الجبهة لديها مشروعاً سياسياً سوف تعلنه قريباً لكنه لم يحدد أية ملامح عامة لهذا المشروع.
ونستطيع القول إن قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ محقون تماماً فيما يتعلق بأن الظروف قد تجاوزت صيغة الجبهة، وهم بالتالي عليهم البحث عن صيغة جديدة للعمل السياسي.
ويبدو أن هذه الصيغة تتمثل في التعاون مع الدولة في عدد من الملفات حتى ترضى عن قيادات الجبهة أو معظمهم وتتأكد من أنهم استطاعوا التكيف مع معطيات الواقع وتتيح لهم في المستقبل العمل السياسي من خلال حزب جديد قد لا يكون ذو صيغة إسلامية صرفة على النحو الذي كانت علية الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وكانت هذه الصيغة تحتكر الدين لصالحها من جهة وتتخذ طابعاً إسلامياً أممياً عابراً للحدود.
ومن الدلالات المهمة للمؤتمر الصحافي الذي عقده رابح كبير هو انه قال ان الجبهة الإسلامية للإنقاذ ليست مقدسة. وعندما تحدث عن الدولة الإسلامية في الجزائر انتقد صيغة حركة «طالبان» في أفغانستان، وأشار إلى انه يريد دولة إسلامية في إطار مبادئ أول نوفمبر 1954، وذلك في إشارة إلى أول بيان أصدرته جبهة التحرير الجزائرية.
ودشنت به ثورة تحرير البلاد من المستعمر الفرنسي، وهذه الإشارة تعني ان «الإنقاذ» ممثلة في كبار قياداتها لم تتنازل عن حلم الدولة الإسلامية، لكنها أعطت له مصدراً وطنياً داعبت به عواطف المواطنين الجزائريين.
وفيما يتعلق بالملفات التي على الجبهة ان تساعد السلطة الجزائرية فيها حتى تتيقن من أنها تكيفت مع الأوضاع الجديدة وأصبحت مهمة للدولة خلال المرحلة المقبلة، نستطيع أن نحدد ملفين أساسيين:
الأول: يتعلق برفع الغطاء السياسي والشرعي عن الجماعات التي مازالت تمارس العنف في الجزائر ونقصد بها جماعتان هما الجماعة الإسلامية المسلحة والجماعة السلفية للدعوة والقتال.
وهناك تطور مهم حدث في الآونة الأخيرة يتمثل في أن قيادات الجماعة السلفية بايعوا زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وهو ما يعني انضمامهم إلى تنظيم القاعدة بصورة رسمية بعدما كانت التحليلات في السابق تقول بهذا الانضمام من دون أية دلائل أو مؤشرات في هذا الخصوص. وهذا الانضمام قد يكون بسبب ضعف هذه الجماعة لكنه قد يعطى لها زخماً ويفتح لها أبواب أمام مصادر جديدة للتمويل بما يمثل تحدياً أمام الدولة الجزائرية.
من هنا نستطيع ان نفسر الهجوم الحاد الذي شنه قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الجماعتين المسلحة والسلفية، وذلك لكي يؤكدوا للدولة ان هناك اختلافات بين نمطين من العمل الإسلامي وانهم مهمين للدولة حتى تحقق انتصارها على الجماعات التي تمارس العنف. فهم من جهة يستطيعوا ان يرفعوا الغطاء الشرعي عن هاتين الجماعتين.
ورفع الغطاء الشرعي سوف يستتبعه انخفاض في شعبية كلتا الجماعتين. ومن جهة أخرى فهم من خلال نقدهم الحاد للجماعتين يرفعون الغطاء السياسي عنهما ويصبح لا مناص من تجريم عملياتهما أمام الجماهير الإسلامية سواء في الداخل أم الخارج بأنها عمليات إرهابية وليست عمليات سياسية تتمثل في مواجهة الدولة الجزائرية من أجل دفعها إلى تطبيق البرنامج الإسلامي أو من أجل إسقاطها لتأسيس الدولة الإسلامية.
أما الملف الثاني فهو يتعلق بعملية تعديل الدستور المزمع إجراؤها في الجزائر، وهى عملية تهدف أساساً إلى اتاحة الفرصة أمام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للتمديد لولاية رئاسية ثالثة. ويبدو من سياق الأحداث وحركتها ان هناك مقايضة قد حدثت بين الرئيس وقيادات الجبهة تتمثل في ان تساعد الجماعة الرئيس في تمرير التعديل، وذلك بتوفير قاعدة شعبية له مقابل ان يتيح الرئيس الفرصة لهذه القيادات للعمل السياسي في المستقبل.
وهذه المقايضة لا تعبر عن برجماتية من هذه القيادات، ولكن لأنهم يدركون ان وجود بوتفليقة فترة أطول في سدة الحكم يمكن ان تتيح الفرصة له ولهم من أجل استكمال برنامج المصالحة الذي بدأه هو واستفادت منه قيادات الجبهة سواء التي كانت في السجون أم تلك التي كانت في المنافي.
من هنا كان قولنا ان عودة رابح كبير هي حلقة في سلسلة لم تستكمل باقي حلقاتها بعد، والحلقة المقبلة سوف تتعلق بعملية تعديل الدستور التي ينتظرها معظم المراقبين من أجل بناء توقعاتهم عليها.
كاتب مصري