بدأ شهر رمضان.. انصرف الناس إلى عباداتهم وصيامهم، فالمساجد عامرة والقلوب خاشعة والأحاسيس مرهفة.. لكننا غافلون عن إخوة لنا ربما لا يجدون ما يفطرون به فيما موائدنا عامرة بأطايب الطعام.

هنا غزة حيث الجوع والألم.. حصار دولي ظالم لا نهاية له وغفلة عربية تقطع الأرحام، وتنزع البركة من صلاتنا وصيامنا وأرزاقنا.في اليوم الأول من الشهر الكريم وبينما أفطر شاهدت تقريرا على إحدى القنوات العربية.. نساء لا يجدن ما يطعمن به أطفالهن..

ورجال كلل الشيب رؤوسهم واحتبس الدمع في أحداقهم لا يعرفون ماذا يقولون أمام العدسات ومن يخاطبون.. يحس أهل غزة أنهم كالأيتام على موائد اللئام حينما تركناهم لمصيرهم..انسحبنا نحن نجر ذيول الخيبة وتركنا كوندوليزا رايس وخافيير سولانا وكوفي عنان وإيهود أولمرت يفرضون عليهم الشروط تلو الأخرى.. مؤلم حال البشر حين يكون التجويع سلاحا والحصار واحدا من مماحكات السياسة... غصت اللقمة في حلقي وشعرت بمرارة لم أشعر بها من قبل.

قد يكون الأمر عاديا لو أن أهل غزة أناس عاديون مثلنا يعيشون ويموتون ولا يحدثون أنفسهم بغزو.. لكنهم مرابطون.. نحن نتحدث عن منطقة لا يكاد يخلو فيها بيت من شهيد أو جريح أو أسير.. يذبون عنا رصاص إسرائيل ولا نستطيع أن نخفف عنهم التآمر الدولي ومحاولات إخضاعهم بالتجويع والتعطيش وهدم البيوت والقتل غيلة في وضح النهار.

هنا غزة.. حيث الدموع تتحجر في الأحداق، حيث يفري جوع الأطفال كبد الآباء.. حيث نبدو نحن على القرب بعيدا بعيداً عن همومهم ومشاكلهم.. نتشدق بالعروبة فنقسم برؤوس آبائنا أننا عرب أقحاح مثلنا مثلهم.. ونتشدق بالإسلام. وربما يصعد الدم في رؤوسنا من الغضب إذا سألنا سائل: هل أنت مسلم ؟ وربما لا ندري أن العروبة والإسلام ليست ألفاظا تقال بل أفعالا تجترح.

هنا غزة.. العدو أمامها والبحر خلفها.. إسرائيل أمامها ونحن خلفها لا لنحمي الظهور ولكن لنتفرج كيف يطعن العالم الفلسطينيين في آدميتهم وهم يقولون (أحد أحد..)..

ليست القصة فتح وحماس ولا أبو مازن وخالد مشعل.. هذه مجرد مماحكات تتيح لنا أن ننام وكأننا أدينا ما علينا، وتتيح للعالم أن يحاصر ويجوع ويفرض الشروط ويمنع دخول الأموال والمؤن.. أليس عارا علينا أن تكون بعض أراضينا محتلة ونحن ننام قريري الجفون.. اعتزلنا القتال لا بأس.. لم يطلب منا أحد أن نقاتل ولكن هل اعتزلنا الشهامة فلا سلاحاً نرسل ولا أموالاً نستطيع إدخالها ولا دعماً لفظياً أو معنوياً من أي نوع..

كان أحرى بالعرب بدلا من أن يرفعوا ملف الصراع إلى مجلس الأمن أن يتوحدوا هم ويرفعوا الحصار عن غزة رغما عن أنف إسرائيل وأميركا.. ربما السياسة والقرارات الدولية والحقوق المشروعة تجد من يمارس اللؤم في تفسيرها أو يماطل في تنفيذها. لكن جوع البطون لن يجد إنسانا صاحب ضمير في العالم يدافع عنه أو يلتمس لمرتكبيه الأعذار.

أين قوافل الإغاثة العربية التي ذهبت إلى أفغانستان والشيشان والبوسنة وكوسوفو.. أين الأموال التي جابت الدنيا تبحث عمن يأخذها من ثوار نيكاراغوا إلى ثوار تايلاند..

هل العرب في حاجة إلى من يقسم لهم أن أهل غزة مسلمون مثلنا، عرب مثلنا وأنهم أولى بالدعم والمساندة.. أولى حتى من فقرائنا والعجزة الذين يعيشون في كنفنا.. إنها صرخة قد تجد من يلبيها ويتعاطف معها بكرم وسخاء ونبل وفروسية... وقد تذهب أدراج الرياح.

أهل غزة يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.. هم أولى من أنفسنا إن أردنا أن نصوم فيقبل صومنا ونصلي فترفع صلاتنا.. ولو تبرع كل عربي ومسلم بثمن وجبة واحدة ووجدت هذه الأموال من يتحدى الصعاب من أجل إيصالها إلى أهلنا هناك، لتم حل المشكلة.. لكن الكارثة أن الأموال حضرت والهمم خارت والعالم العربي يغط في نوم عميق..

أحلاما سعيدة أيها العرب.. وإن كان يجدي سأضيف إليها صوما مقبولا وإفطارا هنيئا.. لكن الهناءة لن تعرف صاحب ضمير حي مادام يرى على الشاشات إخوة له يتضورون جوعا.

magdishendi@hotmail.com