في أرض الرافدين حيث مازال كل شيء فوقها قابلا للاحتراق منذ العام 2003 العام الذي قيل عنه انه عام تحريره وعام حريته وعام تتفتح فيه الزنابق على سواحل شطيه وترقص عصافيره فوق أعشاشها على حواف الشبابيك التي ستشرع لنسائم الأمن والسلام..

صار الموت فوق الخيال واللامعقول، وسرقت قنابل البارود وشظايا حديد السيارات والرصاص العشوائي الحياة من الحياة والوقت من الوقت والمكان من المكان وسرقتنا نحن البعيدين عنه، الذين نتتبع أخباره على أطراف الصحف والمجلات وطلات المذيعين وصور الموت المتحركة من تفكيرنا وتركيزنا وحولت ما يحدث هناك إلى حدث اعتيادي..أدمناه حتى تلاشت فيه خلايانا العصبية وتخدرت وصار ما يحدث يحدث وكأنه لا يحدث..

اعتدنا ان تنفجر في كل صباح من صباحاتنا سيارة في طابور بسطاء أبرياء نساء ورجال وأطفال، اعتدنا صورة الدم، واعتدنا حتى عدم الأسف على الجريمة.

بالأمس وكأي أمس من أيام «ارض السواد» اتفقت الأخبار جميعها على عنوان واحد تشابه في كل الحالات عبر منافذ الخبر المطل على العراق.. وقالت الصحف وقالت وكالات الأنباء وقال المذيعون والمذيعات وناقلو التقارير من كل شبر فيه: بداية دامية لرمضان في العراق، عنوان خبر تحول في إيقاع تعاطينا اليومي مع أخبار ارض الموت كخبر مجاني لا يضيف ولا يقدم ولا يؤخر.

هذه المرة فقط لأن رمضان الشهر الكريم..شهر الروح كانت بؤرة الضوء على الخبر أكثر تركيزا.

ما الذي علينا ان نفعله نحن العرب والمسلمين حيال الموت الذي لا يتوقف هناك في العراق؟

هل انتهى الواجب العربي والإسلامي إلى حد اعتبار ما يحدث شأنا داخليا لا علاقة لنا به، ولا يؤثر فينا ولا يستثيرنا؟

يلعب الموت لعبته في العراق واللعبة دامية لا تفرق بين بريء وبين متورط، لكن الأبرياء يتساقطون أكثر مما يتساقط المتورطون، والمتفرجون تتزايد اعدادهم في مشهد لم ير التاريخ الحديث مثيلا له.

آخر تقارير الموت الصادرة مؤخرا تقول ان خلال شهري يوليو وأغسطس فقط من العام الحالي خطف القتل 6600 عراقي اغلبهم أبرياء من شر اللعبة الكبرى.

ونحن ملايين المسلمين ارتضينا ان نكون على كراسي المتفرجين وكأن الأمر ممتع إلى هذا الحد!

mhalyan@albayan.ae