لأن ليالي رمضان تتحول إلى ليالٍ احتفالية تكثر فيها الزيارات والمجالس وتجمعات السمر وتسهر البيوت مفتوحة إلى موعد صلاة الفجر، تصبح موائد الطعام مفروشة في كل مكان، بل تكثر وتتنوع وتتعد أصنافه والناس تتسابق إلى إعداد الحلويات التي التصقت بالشهر الفضيل وتكاد لا تظهر إلا فيه..لكن هذا الطعام كثير، يذهب جزء كبير منه إلى صناديق القمامة.
تعودنا في رمضان أن نكثر من الشيء الذي نقدمه، ولهذا فإذا ما قدمنا طعاماً قدمناه مضاعفاً وتسيطر علينا حالة التسابق على الأجر لهذا نطبخ الكثير من الطبيخ في البيوت، بل ونشتري من المطابخ التجارية وتنفتح شهيتنا على كل الأصناف وكل الأنواع حتى تلك التي قد لا نحتاجها..
لهذا تتحول لوازمنا واحتياجاتنا في رمضان إلى عبء مالي كبير بحيث إذا ما قارب رمضان منتصفه وبدأت الاستعدادات للاحتفالات بالعيد ولوازمه لجأ الكثير منا إلى البنوك لتوقيع أوراق تجديد السلفيات أو البحث عمن لديه القدرة على الإقراض.
لهذا فإن بعضهم حول شهر رمضان إلى موعد لتجديد ديونه وموعد لتحمل أعباء ثقيلة ومرهقة فيما رمضان شهر عبادة وسكينة وخير.
الآفة الكبرى ليست في تسابقنا على ملء موائد بيوتنا بالطعام فقط، ولكن في حمى الغيرة من بعضنا البعض، فالغني الذي رزقه الله بالخير الوفير والمال الكثير باستطاعته أن يقيم موائد طعام وينصب لها الخيام بقدر ما تلبيه مقدرته المالية، لكن عندنا يسابق الفقير الغني، ويقلد محدود الحال ميسوره ليس من اجل التسابق على تقديم الخير ولكن من اجل البذخ والفشخرة..
إذ لا يعقل أن تشاهد فقيراً في حي أغنياء وقد نصب خيمة اكبر من بيته..هذا يحدث عندنا، ويتحمل هذا المحدود الحال الأعباء المالية الكبيرة فقط من اجل المحافظة على «البرستيج» الذي تعود عليه في رمضان..
صدقوني يا إخوان..صحيح أننا أهل خير ونعمة، وصحيح أن أيدينا مفتوحة، هكذا تعودنا وتعلمنا من أهلنا.. لكن لا يصح إلا الصحيح في النهاية.. وسلوكيات كثيرة تعودنا عليها في شهر رمضان لم تكن على هذه الصورة عند أهلنا الأولين.
يستطيع الواحد منا أن يقيم وليمة يومية، ويستطيع الواحد منا أن يتصدق ويصرف في رمضان..لكن في حدود مقدرته.. لا من اجل أن نتباهى بها أمام الآخرين ولا في حدود سلفيات البنوك.. حتى نصل إلى الجملة المعتادة التي يقولها الجميع عندنا بعد انتهاء الشهر والعيد..«نفضنا رمضان وعيده»!