تلقيت على بريدي الالكتروني الخاص رسالة من جهة لا أعرفها ومركزها في واشنطن، وكثيراً ما تلقيت رسائل من هذه الجهة لكنها لم تجذب اهتمامي كثيراً، ولكن في هذه المرة لفت نظري في الرسالة وجود أسماء لشخصيات أعرفها جيداً مما اضطرني لقراءتها.

الرسالة تتضمن بداخلها رسالة أخرى بعنوان «رسالة مفتوحة إلى الرئيس جورج بوش» وموضوعها نداء من مجموعة من الشخصيات من ممثلي الأحزاب والمنظمات ومراكز الدراسات عددهم 35 شخصاً منهم 21 من مصر والباقي من دول عربية مثل العراق والسودان والمغرب والجزائر، والرسالة مرسلة لي وأكيد لغيري للانضمام إلى هؤلاء في ندائهم للرئيس الأميركي يطلبون منه العون والمساعدة لدعم الديمقراطية والحرية في بلادنا العربية.

ويقولون له انهم كمجموعة من المثقفين العرب والمسلمين يناشدون الرئيس بوش أن يفي بوعوده التي أخذها على نفسه لدعم الإصلاح الديمقراطي في بلادنا العربية بالأقوال والأفعال، ويقولون ان الذي شجعهم على اللجوء إليه هو التزامه القوي بالحرية وقوله ان «على كل من يرزح تحت الاستبداد واليأس أن يعلم أن الولايات المتحدة لن تتجاهل أوضاعه ولن تتسامح مع مضطهديه» وتأكيده أيضاً على أن كل من يناضل من أجل الحرية فإن أميركا ستناضل معه.

ويقولون في رسالتهم ان هذه التصريحات غذت مشاعر الأمل في المنطقة العربية، وأن مشاركته لهم في نضالهم من أجل الديمقراطية هي الطريق الوحيد من أجل مكافحة التطرف والضغط على كل الجماعات بمن فيهم «الإسلاميون»، ويطالبونه بالضغط على الأنظمة العربية من أجل إنهاء قمعها لليبراليين.

الرسالة طويلة ولا يمكن سردها كلها هنا وإن كانت مليئة بأشياء غريبة ومفزعة في الوقت نفسه ، وملخصها أن هؤلاء الموقعين على الرسالة يطلبون الدعم من واشنطن من أجل تحقيق الحرية والديمقراطية، والحقيقة أنني اندهشت من طلبهم واستنجادهم بالولايات المتحدة ولا يهمني إذا كان هؤلاء الناس يعتقدون أن ما يحدث في أفغانستان والعراق وفلسطين نموذج جيد للديمقراطية والحرية التي ينشدونها لبلادهم أم أن لهم أغراضاً وأهدافاً أخرى من ندائهم واستغاثاتهم بالرئيس بوش، خاصة.

وأنهم جميعاً حددوا في رسالتهم الجهات التي يمثلونها ثم ختموا الرسالة بعبارة تقول ان ذكر الجهات التي يمثلونها إنما بغرض التعريف «فقط»، وكأن «المريب يكاد يقول خذوني»، حتى لا يظن أحد أن هذه الجهات تلتمس دعماً مادياً أو سياسياً أو تقرباً من واشنطن لتكون لها الأفضلية عند واشنطن على غيرها من الجهات الأخرى.

لكن ما لفت اهتمامي بشدة بين أسماء الشخصيات الموقعة على الرسالة أشخاص أعرفهم جيداً منذ سنوات طويلة مضت، ومنها زميل لي محام مصري تركته في مصر وهو شيوعي «قح»، ومن أشهر القيادات الماركسية في مصر، وكنا نطلق عليه وصف «سيخ» لشدة تعصبه للشيوعية في أقصى احمرارها الدموي، ونطلق عليه هو وأمثاله «أشاوس الشيوعيين».

والآن لا أدري كيف تحول كل هذا التحول الجذري وأصبح ليبرالياً يؤمن بشدة بأن الديمقراطية والحرية لا تأتي إلا من أميركا، رغم أنني أعرف أن الكثيرين من الماركسيين العرب وخاصة المصريين تحولوا بقدرة قادر إلى ليبراليين يؤمنون كل الإيمان بشعارات وسياسات واشنطن، ويهرولون ليفتحوا مراكز الدراسات وجمعيات حقوق الإنسان ويؤسسون أحزاباً جديدة على أمل أن يأتيهم الدعم المادي والسياسي من واشنطن والاتحاد الأوروبي ويعتبرون هذا أمراً عادياً ومشروعاً بحجة أنهم يناضلون ضد أنظمة مستبدة.

وربما يكون هذا لون جديد من النضال يختلف تماماً عن النضال الذي عرفناه طيلة حياتنا والذي يلجأ فيه المناضلون الشرفاء الصادقون إلى شعوبهم يطلبون منهم دعمهم والوقوف معهم، لكن على ما يبدو أن هذا كان زمان، ونحن الآن في زمن العولمة الأميركية التي لا مكان فيها للمبادئ والقيم الوطنية ولا مكان فيها لإرادة الشعوب ورأيها ولا اختياراتها الديمقراطية.

ربما يكون الأمر لا يتعلق بالنضال والكفاح، وهو على الأرجح يتعلق بمصالح خاصة وطموحات شخصية، ولكن أياً كانت أراء ومواقف هؤلاء المستجيرين بالرئيس بوش، وأياً كان مدى القمع والظلم الواقع عليهم في بلادهم فإن اللجوء لجهات أجنبية لطلب العون والدعم يعد في كل شرائع الدول مخالفة قانونية وجريمة تستوجب المساءلة والعقاب، ولا يحق لأحد أن يلوم حكومات وأنظمة الدول التي تعاقب أمثال هؤلاء على جريمتهم هذه، وليستنجدوا حينذاك ويقولوا «وا.. بوشاه» أو حتى «وا.. أميركاه».

elmoghazy@hotmail.com