البعض يجد في عقول بعض زعماء العالم أفكارا تصل إلى درجة البراءة الساذجة وفي تصرفاتهم سيكولوجيا طفولية! أي باختصار، أن العالم يحكمه في الألفية الثالثة أطفال في بدلات أنيقة وياقات حمراء. وهذا فعلا ما كنا نحلم به منذ أن وعينا على هذه الدنيا.
فقد اكتشفنا بأنه عندما يحكم العالم رجال متقدمون في السن وناضجون بالخبرة تصبح الحياة جحيما ودماء وحربا وقتلا وفتكا ومؤامرات ودسائس ومخابرات سرية وسجونا طائرة ومصالح خاصة واحتلالا وتشريد شعوب أخرى وهيمنة... الخ من قصص الواقع التي نقرأها في الصحف اليومية.
ما تناقلته الصحف العالمية عن (مخاصمة) السيد جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأميركية (الذي يرأس ما يقارب من 000 ,000 ,300 كائن بشري هم اليوم عدد سكان الولايات المتحدة) للسيد محمود أحمدي نجاد رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية (الذي يحكم بدوره أكثر من 66 مليون من البشر في بلده)، أثناء حضورهما اجتماعات الدورة ال61 للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك منذ السادس والعشرين من شهر شعبان 1427 هجرية، هذه المخاصمة التي تشبه إلى حد كبير أشكال المخاصمات التي تحدث في سن الطفولة، تضعنا هي وحدث هذا الاجتماع التاريخي أمام عدة أمور في حاجة إلى مراجعة:
أولاً: جميع أطفال العالم ومنهم المواليد الجدد (حيث أن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من بين عدد سكان العالم وهم الوحيدون الذين يتزايدون في كل دقيقة!)، كانوا يأملون بأن يكون زعماء عالمهم الذين ولدوا فيه والذين يقررون مصير حياتهم أو موتهم، أكثر جدية في تعاملهم مع المشاكل والمخاطر التي تهدد الكائنات الحية (بما فيها الكائنات البشرية) من أدنى الأرض إلى أقصاها.
كانوا يتوقعون بأن مضيف هذه الاجتماعات في بلده، على شاكلة الكرم العربي، سوف يدعو قبيلة إلى الغداء (بدون تقديم المشروبات الروحية بالطبع احتراما لمشاعر مليار مسلم قبيل حلول شهر رمضان المبارك) لمناقشة واقتراح الحلول للقضايا العالقة بين هاتين الدولتين منذ تأميم النفط في إيران في الخمسينات من القرن الماضي.
وأن يدعوه بعد ذلك للعشاء، من أجل مناقشة الأمور الحساسة جدا بخصوص ملف إيران النووي ولتفادي سقوط ضحايا من الجانبين قد يقدر عددهم بمئات الآلاف من البشر الذي لا ناقة لهم فيها ولا جمل (وبالتأكيد بنسبة أكبر من الأطفال الأبرياء تماما كما حدث في لبنان قبل شهر) نتيجة لتصرف متسرع من جانب واحد بمهاجمة هذه الجمهورية الضاربة في القدم كالعراق في تشكيل حضارة العالم ومنها ثقافة وحضارة العالم الحديث.
وربما دعاه للإفطار معه لوضع النقاط الأخيرة على حروف استراتيجية جديدة تتحسن من خلالها العلاقات المتوترة بين أكبر وأعظم ثلاث ديانات في العالم والتي تستحوذ على كافة نشرات الأخبار اليومية: مثلث الإسلام والمسيحية واليهودية.
وأنه من خلال مثل هذه اللقاءات (الممكنة جدا في الواقع) ربما تعرف الرئيسان على بعضهما البعض عن قرب، ولربما تفهم كل منهما موقف الآخر وربما اتفقا من خلال الحوار الانفرادي على تخفيف حدة التوتر في المنطقة وحل المسائل المعلقة بشكل أكبر من استخدام أسلوب التهديد المستمر والتخويف والتجويع والحصار وغيره من أساليب العالم الحديث المتحضر في فرض القوة على الضعفاء لقبول أفكارهم وآرائهم وسياساتهم.
ولكن شيئا من ذلك لم يحصل وربما لن يحصل. وإذا بالرئيس المضيف يختفي فجأة من قاعة الاجتماعات (يتبعه ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة على عجل) لتفادي سماع خطاب الرئيس الضيف الذي (زعلان منه بشدة). وربما جعل هذا التصرف أطفال العالم يشعرون بالإحباط من تصرف الكبار بهذه الطريقة التي تزيد من حدة الخلافات بدلا من تهدئتها وتعرضهم للموت أكثر من أي وقت مضى.
ثانياً: ما سيكتشفه ويقرأه هؤلاء الأطفال عندما يصبحون في سن الرشد (وربما لن تكون هذه المنظمة موجودة وقتها)، بأن الأمم المتحدة قد وقعت تحت سيطرة قرارات القوى العظمى الخمس وبالأحرى (الواحدة). وهذه القوى لا ترى في مرآة مجلس الأمن سوى صورتها، وصورة مصالحها فقط لا غير.
وكأن (الأمم) الأخرى ليس لها الحق في الوجود. وإلا فما معنى أن يظل اتخاذ القرارات في مجلس الأمن في يد خمسة أعضاء دائمين، وأن أي قرار لا يمكن أن يصدر في حالة فيتو دولة واحدة (من بين الخمسة الدائمين) من بين الأصوات التسعة الممثلة في المجلس؟ بينما الدول الدائمة العضوية هذه لا تمثل حتى واحد في المئة من عدد سكان دول العالم.
أي أن هذا العدد يتحكم في مصير أكثر من 99% من عدد سكان العالم مجتمعين، دون أن ننسى بأن ممثلي هذه الدول الدائمة العضوية لا يمثلون رأي شعوبهم في تلك المسألة وإنما رأي سياسات حكوماتهم الحالية فقط باعتبار أنهم ممثلو الشعب قبل نهاية الصلاحية. وهذه مسألة على درجة كبيرة من الخطورة.
وأثبتت الحرب اللبنانية الأخيرة مدى (أنانية) هذه المجلس. فقد وضع أعضاؤه جرائم إسرائيل في قصف لبنان بشتى أنواع القنابل المحرمة دوليا في خانة الحق المشروع في الدفاع عن النفس.
ولم يتجرأ حتى على إصدار قرار شجب واحد. بينما اعتبر فك أسر جنديين إسرائيليين شرطا لقرار وقف إطلاق النار الذي عارضته الولايات المتحدة الأميركية علانية.. وهناك أمثلة عدة على سوء استخدام الفيتو في مجلس الأمن بما يخدم مصلحة أحد أعضائه دون النظر إلى الناحية الإنسانية.
ثالثاً: هل يحق للدولة التي اختار العالم أن تقع على أراضيها جلسات اجتماعات المنظمة أن تقرر منح أو عدم منح تأشيرات الدخول للرؤساء والمشاركين الذين يدعون لحضور جلساتها لأنهم على وفاق أو على خلاف سياسي أو اقتصادي معها (هذا إذا أجزمنا بأن معظم خلافات وحروب الولايات المتحدة مع العالم تقوم على المصالح الاقتصادية أولا وأخيرا وتم تغطيتها في الوقت الراهن بسترة محاكة من الدين والمعتقدات الدينية) ؟
وإلا فإنها ليست منظمة الأمم المتحدة. أو أن عليها أن تجد لها أكثر من مقر اجتماع في حالة رفض السلطات المحلية منح تأشيرة الدخول اللازمة. وهذا ما حدث فعلا في الاجتماع الأخير حين طلب المندوب الإسرائيلي عدم منح الرئيس الإيراني تأشيرة دخول. ولو حصل ذلك لكانت كارثة سياسية للمنظمة التي اهتزت صورتها منذ إعلان الحرب على العراق.
الكثيرون فقدوا ثقتهم في مصداقية قرارات مجلس الأمن. ووجدوا فيها وسيلة لتأمين مصالح الدول الصناعية وحمايتها أيا كانت النتائج حتى ولو أدت إلى استمرار القتال إلى ما لا نهاية، وأطفال العالم سيبكون غدا أمام دموع السيد كوفي عنان وهو يجمع حقائبه المليئة بهموم العالم التي لا تتوقف عن الزيادة وهو يتأهب لمغادرة كرسي الرئاسة إلى الأبد.
وسوف يبكي أطفال العالم عندما يكبرون غدا على أرواح أصدقائهم من أطفال لبنان وفلسطين الذين قتلوا في كل يوم تأخر فيه إصدار قرار وقف إطلاق النار بسبب رفض بعض الدول التي تتبجح بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان على أراضيها فقط، هؤلاء الأطفال الذين لو عاشوا فلربما أصبحوا هم أيضا ممثلي شعوبهم ودعاة السلام في اجتماعات الأمم المتحدة.
فشكراً لأطفال لبنان الذين قتلوا في الحرب، لأنهم الوحيدون الذين فضحوا جرائم الدول العظمى التي تحدث بصمت خلف كواليس مجلس الأمن، وشكراً لزعل الرئيس بوش من الرئيس نجاد وتجنب لقائه حتى في ممرات مبنى المنظمة، لأن هذا التصرف كشف للعالم بأسره بأن عالمنا اليوم يحكمه سياسيون بعقلية طفولية جداً.
في الوقت الذي كنا ننتظر فيه انتهاز هذه الفرصة ليتقدم رئيس الولايات المتحدة الأميركية السيد جورج بوش الذي يمثل العالم الديمقراطي الذي ينادي بقبول مواقف الخصم والمتقدم صناعيا والمتحضر في أساليب الإتيكيت لاستقباله بكل ثقة الرؤساء العظام ومد يده لمصافحة رئيس جمهورية صغيرة نسبة إلى أميركا وترسيخ فكرة امكانية السلام بين شعوب العالم الذي أنهكته الحروب الدامية.
وشكراً لمحمود أحمدي نجاد الذي ينتمي مثلنا إلى دول العالم الثالث والذي بكل بساطة هذا العالم دعا الرئيس بوش قبل ذلك بوقت كاف لحوار مباشر يبث على الهواء بهدف التواصل والتعاون والتفاهم ووضع النقاط على الحروف لحل المشاكل التي تهدد السلام في العالم، فلم يجد أي تجاوب... بل الاستهزاء والتهكم....
هنا تتوقف حدود منظمة الأمم المتحدة... ولا حدود بعدها غير الخلافات التي تؤدي للحروب الدامية.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
:
