يبدو أن ثقافة الهزيمة قد تعمقت لدى بعض الزعماء والقادة السياسيين التقليديين العرب، إلى حد يجعلهم لا يصدقون أن ثمة إمكانية لتحقيق انتصار عسكري على إسرائيل المدججة بالسلاح والمدعومة دائماً من قبل الولايات المتحدة.
وإذا كانت هذه الثقافة التي تكرست عبر مرحلة طويلة من الصراع مع إسرائيل، وقعت خلالها قبل الحرب الأخيرة في يوليو الماضي خمسة حروب كبرى منذ عام 1948، قد أحدثت إرباكاً واضحاً وعلنياً، وانقساماً في مواقف الرسميين العرب وحتى بعض القوى السياسية، خصوصاً اللبنانية، إزاء الحرب العدوانية على لبنان، فإن الارتباك الذي تشهده الساحة العربية بعد توقف العدوان والحرب يثير الكثير من الحزن.
إسرائيل تعترف بالهزيمة وتموج بالتحركات والإرهاصات والتناقضات التي كان من ثمارها حتى الآن استقالة قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي الجنرال أودي آدم، وموافقة الحكومة على تشكيل لجنة تحقيق رسمية في التقصيرات التي وقعت، هذا فضلاً عن تطورات أخرى كثيرة تهز إسرائيل ولا تزال تداعياتها تظهر تباعاً.
ولكن على الرغم من هذا الاعتراف الإسرائيلي، إلا أن ثمة كثيرين من العرب لا يرغبون في الاعتراف بهزيمة إسرائيل وانتصار لبنان وحزب الله والعرب في هذه الحرب.
وبدلاً من أن يجري الاحتفال بالنصر، وتجييره سياسياً لصالح الحقوق العربية، نرى بأن هذه الاحتفالات جاءت محدودة زمانياً ومكانياً، وسرعان ما اندلعت التصريحات والخلافات داخل لبنان بطريقة مقلقة. والحال لم يكن أفضل على صعيد الدول العربية، فيما تأخر الدعم المالي وتأخرت عملية إعادة البناء والإعمار.
لقد دفع لبنان ثمن انتصار تاريخي كبير دفاعاً عن لبنان وعن الأمة العربية وحقوقها ومصالحها وتطلعاتها المستباحة، تماماً كما دفع الفلسطينيون ثمن صمودهم الطويل والمرير، فيما يكتفي العرب الرسميون بكفكفة الدموع دون أن ينجحوا في معالجة الجراح النازفة.
ربما لا يعرف بعض المسؤولين العرب أو أنهم أدمنوا الصمت إزاء معاني وأبعاد المشاهد المرعبة المتكررة التي تقع منذ ردح طويل من الزمان.
إن أغلبهم لا يدركون آثار النزوح والرحيل والهجرة القسرية داخل الوطن وخارجه ولا يدركون أبعاد الجوع والعطش والنوم في العراء وقتل الآلاف وجرح عشرات الآلاف من الأبناء والآباء والأمهات والإخوة وتدمير البيوت والممتلكات. انتصار حزب الله ولبنان وصمود الفلسطينيين الذي طال أمده يجعل إسرائيل تتوسل المجتمع الدولي لتطبيق القرار 1701، وسحب سلاح حزب الله، وأبعاد تهديداته على أمنها.
كما يجعلها تعود كما يقول رئيس وزرائها أيهود أولمرت، تبحث عن اللقاء مع الرئيس محمود عباس بدون شروط، فضلاً عن قوله أمام مناصرين من حزب كاديما يوم الثالث عشر من هذا الشهر (إنه لن يضيع فرصة للتفاوض وفحص ممكنات السلام مع أولئك الذين ينغصون حياة الشعب الإسرائيلي).
لم تكن مواقف أولمرت وحكومته قبل هزيمتهم في لبنان، وأمام الصمود الفلسطيني على هذا النحو، فلقد نجح في الانتخابات وهو على ظهور الدبابات ولتنفيذ خطة الفصل أحادي الجانب في الضفة الغربية، وبعد أن ظل يرفض عملياً أي لقاء تفاوضي مع السلطة الوطنية الفلسطينية لفترة طويلة.
الأوروبيون أيضاً اضطروا للتراجع عن سلبيتهم إزاء مواقف عملية السلام، وإزاء مشاركتهم الظالمة في حصار الفلسطينيين سياسياً واقتصادياً منذ أن شكلت حركة حماس الحكومة في فبراير من هذا العام.
إن الأوروبيين يرحبون بحكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها إسماعيل هنية، القائد الحمساوي والتي جاءت بعد حوارات طويلة بينه وبين الرئيس محمود عباس، وحركتي فتح وحماس، أفضت إلى توافق برنامجي اعتبره عباس مرضياً جداً وإيجابياً.
حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي ما زالت قيد الولادة، والتي تضم معظم الطيف السياسي، تقدمت خطوات كبيرة نحو الاعتدال ولتفكيك أجواء الحصار الدولي والإقليمي والإسرائيلي، فلقد نصت على الاعتراف بضرورة التحرك السياسي على قاعدة الشرعية العربية والدولية، كما حصرت المقاومة في حدود الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وأحالت ملف المفاوضات السياسية إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
والواقع أن تشكيل هذه الحكومة وفق هذا البرنامج، يعني أن الحكومة هي أداة تنفيذية ولا يجوز استمرار الآخرين في مطالبتها بالخروج عن هذا الإطار إلى البعد السياسي من خلال مطالبتها بتلبية شروط سياسية، طالما أن منظمة التحرير هي المرجعية السياسية العليا.
وهي كانت قد لعبت تلك الشروط، كما أن هذه الحكومة تعني الفصل بين البرامج الخاصة بكل فصيل، والبرنامج الوطني المشترك. فإذا كانت للبعض شروط على حماس فلتطرحها على حركة حماس، ولا تحمل الفلسطينيين أوزارها.
الولايات المتحدة وإسرائيل تصران على أن حكومة الوحدة الوطنية لا تلبي اشتراطات الرباعية الدولية ولذلك فإنهما قد تظلان على موقفهما السلبي ليس فقط من التعاطي مع الحكومة، وإنما أيضاً باتجاه مواصلة الحصار والعدوان.
وإذا كان من الغريب أن تتذكر الولايات المتحدة الرباعية الدولية، بعد طول تغييب وتجاهل، فإن من المؤسف أيضاً أن تتخذ كل من مصر والأردن مواقف متحفظة إزاء هذه الحكومة.
مرة أخرى، إزاء لبنان وفلسطين يأتي الموقف العربي مرتبكاً ومربكاً في التعامل مع حالتين، الأولى منتصرة والثانية صامدة بقوة، وكان المفروض أن يجري الاستفادة من هذا الواقع للارتقاء بسقف الوحدة أو التنسيق بين العرب، والارتقاء بمستوى تطلعاتهم، وجهدهم الإقليمي والدولي، من أجل إعادة صياغة مكانتهم بطريقة أفضل، وإعادة صياغة عملية السلام، مرجعيات وآليات بما يخدم تحقيق الحقوق الوطنية والقومية العربية، وإقامة السلام على أساس ذلك.
وإذا كان المناخ العام والخاص بالداخل اللبناني يشير إلى احتمال تصاعد التوتر بين الأطراف المختلفة على خلفية الحرب منذ البداية حتى النهاية وما بعد ذلك، في إطار محاولات قوى دولية وإقليمية لتجريد حزب الله من سلاحه.
وفصل لبنان عن دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، فإن مثل هذه الخطة القديمة المتجددة لم تنجح في فلسطين، ليس لأن الفلسطينيين أكثر وعياً ووطنية من أشقائهم اللبنانيين، وإنما لأسباب تتصل بثقل واستمرار فعل العدوان الإسرائيلي، ولأن الفلسطينيين لا يعيشون داخل دولة لهم وحدود معروفة.
ولكن ما الذي جرى حتى تم التوصل إلى حكومة وحدة وطنية بعد مرور أكثر من ستة أشهر على الحصار وما هو متوقع في القريب العاجل؟
كان من المعروف منذ أن فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية بداية هذا العام، أن الحركة مصممة على تحمل المسؤولية خلال كل الفترة المتاحة لها قانونياً، أي أربع سنوات، وهذا ما أكده أكثر من مسؤول في الحركة، بما في ذلك رئيس الحكومة.
كما كان على الجميع أن يدرك مثلما تدرك قيادة الحركة، أن النجاح في هذه المهمة يستدعي إبداء قدر من الاعتدال مناسب للتعامل مع المحيط الدولي والعربي، ولكن دون أن يشكل انقلاباً من الحركة على برنامجها. غير أن الأطراف المتعاملة مع الموضوع الفلسطيني والمؤثرة فيه أخذت موقفاً سلبياً جداً وظالماً، وأرادت كسر ذراع الحركة.
في الداخل الفلسطيني لم يكن سهلاً على حركة فتح التي أصبحت في موقع المعارضة في المجلس التشريعي أن تتخلى عن دورها ومسؤولياتها الوطنية السياسية، وغير السياسية، ونشأ وضع ملتبس ومعقد. فالحركتان الكبيرتان حماس وفتح هما في الآن ذاته، معارضة وسلطة، الأمر الذي خلق تنافساً صعباً أدى إلى احتكاكات لا تسمح لأي منهما بتحقيق الحد الأدنى من النجاح الذي يريده.
لذلك جاء تشكيل الحكومة كشكل من أشكال المساومة، والمخرج للطرفين، سواء داخلياً أو إزاء التعامل مع الأوضاع المأساوية والصعبة التي تسبب بها الحصار السياسي والاقتصادي الذي فرضه المجتمع الدولي، والكثير من الدول العربية، فضلاً عن إسرائيل.
من خلال الحكومة تحصل فتح على حرية الحركة السياسية التي يديرها الرئيس، ومنظمة التحرير وبناءً لبرنامجها، وبما يتيح الفرصة لتحقيق اختراقات في الحصار السياسي الاقتصادي الإقليمي والدولي،.
ومن خلال الحكومة تتمكن حماس من مواصلة تحمل مسؤولياتها في الحكم بناءً لنتائج العملية الديمقراطية وبدون أن تضطر للانقلاب على برنامجها، ومن خلال تخفيف وطأة الحصار وآثاره على الفلسطينيين، وبمعنى تحقيق انفراج نسبي.
تقدم سياسي لا يلبي الشروط الأميركية الإسرائيلية، لكنه يكفي لإقناع الاتحاد الأوروبي لرفع الحصار، وكذلك العربي، فيما ينجم عنه الإفراج عن النواب والوزراء الذين أسرتهم إسرائيل، وقد صدر قرار المحكمة الإسرائيلية بذلك في الرابع عشر من هذا الشهر.
وتتم لقاءات إسرائيلية رسمية مع الرئاسة الفلسطينية فيما تبقى إسرائيل والإدارة الأميركية على تعاملها السلبي مع الحكومة الفلسطينية بذريعة عدم استجابتها لتحقيق شروطهما، وهي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والاعتراف بالاتفاقيات السابقة، ونبذ ما يسمى بالعنف. هذا الوضع يتيح فرصة لتوسيع هوامش الحركة السياسية للفلسطينيين والعرب، ويمنح أوروبا هامشاً للحركة نحو إعادة تفصيل عملية السلام.
كاتب فلسطيني