في يوم الثلاثاء الماضي أعلن الحزب الوطني الحاكم في مصر خلال مؤتمره السنوي على لسان قادته وكبار مسؤوليه معارضة الخطة الأميركية الإسرائيلية بشأن الشرق الأوسط الكبير والموسع وأن مصر تدرس استخدام الطاقة النووية في المشروعات السلمية.

وخلال المؤتمر تبارى المسؤولون والمتحدثون في إطلاق سلسلة من التصريحات والوعود لو صدقت لحولت مصر إلى مصاف الدول الكبرى والعظمى.

عندما سمعت هذه التصريحات لا اخفي انني شعرت بنوع من الرضا ولكن وبعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة اكتشفت أن تطبيق هذه التصريحات والوعود على ارض الواقع تتناقض تماما مع كل فلسفة وسياسات الحزب. بل وتعني أن الحزب ينقلب على نفسه تماما.

سبب ذلك أننا لو أخضعنا هذه التصريحات والوعود للمناقشة الهادفة البسيطة لتبين لنا بسهولة أنها تهدف إلى دغدغة مشاعر وأحاسيس البسطاء وتجميل صورة مشوهة تصعب معها عملية التجميل كما ان هدفها الفعلي لا يخفى على ذهن أي لبيب.

كيف يمكن للحزب الحاكم رفض الشرق الأوسط الكبير وكل سياساته المنفذة على ارض الواقع مهدت الطريق أمام الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة؟.

هل كان يمكن أن تصل البلطجة الأميركية والعربدة الإسرائيلية إلى هذا الحد لولا تخلي الحكومة المصرية وحزبها عن الدور القيادي لمصر في المنطقة؟ هل كانت أميركا تجرؤ على غزو العراق وتهديد سوريا بدون ضمان حد أدنى ولو من الصمت من مصر وبعض البلدان العربية الفاعلة؟.

هل كانت إسرائيل لتخاطر بالعربدة في فلسطين ولبنان لولا إدراكها أن أحدا لن يتحرك. من الذي أدان المقاومة اللبنانية. واللحظات الأولى من العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان؟

أما فيما يتعلق بملف الطاقة النووية فالحقائق الدافعة تدحض كل مزايدة.. في الستينات بدأت مصر مشروعا عملاقا للطاقة النووية بمفاعل في انشاص. ثم حدثت هزيمة يونيو فتأخر المشروع.. مات جمال عبد الناصر.

وجاء الرئيس أنور السادات مؤسس الحزب الوطني وقرر تجميد المشروع إلى اجل غير مسمى.. في الثمانينات وفي السنوات الأولى لحكم الرئيس حسني مبارك تم إعادة الحديث مرة أخرى عن مشروع جديد. في الضبعه وسيدي كرير.

وحاولت مصر التعاون مع بلدان كثيرة متعددة خصوصا الأرجنتين لكن الضغط الأميركي أدى إلى إعادة تجميد المشروع مرة أخرى. وفي الأشهر الأخيرة جرى حديث عن أن الحكومة المصرية صرفت النظر تماما عن الفكرة بل وتحويل مكان المشروع إلى منتجع سياحي.

في السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات من القرن الماضي كانت الفرصة سانحة فعلا أمام مصر وبلدان عربية أخرى لدخول النادي النووي. لكن الإرادة السياسية كانت غائبة..الآن صار معروفا للجميع وفي ظل بعبع المشروع النووي الإيراني أن واشنطن وخلفها تل أبيب لن تسمح لأي دولة مهما كانت حليفة بدخول هذا النادي.

فالشعار المرفوع لدى واشنطن وتل أبيب هو «ممنوع الدخول للعرب والمسلمين».. وإذا أخذنا في الاعتبار حجم ارتماء كثير من النظم العربية في الأحضان الأميركية لتبين لنا أن كل التصريحات والوعود لا تعني سوى كلمات في الهواء. ورغم ذلك نتمنى أن يكون حديث الحزب الوطني الحاكم عن الطاقة النووية صادقا.

ثالثا وفيما يتعلق بالبرنامج الاجتماعي الذي طرحه الحزب بشأن الفقراء ومحدودي الدخل. فان أي مراقب محايد للأحوال المصرية يصعب عليه تصديق التصريحات التي أطلقت بكثرة. والسبب أن برنامج الحزب الاقتصادي والاجتماعي المطبق فعليا على ارض الواقع هو برنامج رجال الأعمال وغالبيتهم لا يعرفون معنى كلمة فقير أو محدود الدخل.

وفي ظل هذا البرنامج قفزت أسعار السلع في مصر إلى مستويات مجنونة. زاد عدد الفقراء والمتعطلين وعاد الحديث عن أجواء ما قبل ثورة يوليو1952 بوجود أقلية في غاية الثراء وغالبية مطحونة.

وسحق كامل للطبقة الوسطى..سياسيا ورغم كثرة الحديث عن مناخ جديد للحريات والانفتاح فان تجربة العامين الآخرين أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن مجمل سياسات الحزب الوطني قتلت أي تطور حقيقي للأحزاب والقوى الانتخابية. وانتهى الأمر في الانتخابات الأخيرة إلى حيتان يتمتعون بتأييد الحكومة ومعارضة تقتصر على التيار الديني.

إذاً التصريحات والوعود لا تعني شيئا طالما أن السياسة المطبقة تناقض ذلك. التصريحات تظل لا قيمة لها. وتجربة كثير من الشعوب العربية معها لا تبشرهم بأي خير.

هل تذكرون تصريحات كثيرة من المسؤولين العرب قبل وأثناء غزو العراق. جميعهم أعلنوا رفضهم للغزو. ورفضوا السماح للعدوان باستخدام أراضيهم وأجوائهم. لكن كلنا بات يعرف الآن ماذا حدث بالفعل وقتها.

ورغم ذلك نتمنى من القلب أن تكون تصريحات الحزب الوطني الحاكم الأخيرة حقيقية.. وكما يقولون أفلح إن صدق.

emadiraqi@yahoo.com