تكشف التصريحات الرسمية في موسكو عن أن الكرملين يركز اهتمامه في التعاون مع دول وسط آسيا على قطاع الطاقة والغاز، انطلاقا من مساعي موسكو لبسط نفوذها على كافة منابع الغاز في مناطق الفراغ السوفييتي.

وقد تمكنت موسكو مؤخرا من التوصل لاتفاقية مع تركمانيا حول أسعار وكميات الغاز التركماني الذي سيتم توريده إلى موسكو خلال السنوات القادمة، والذي تعيد روسيا تصديره إلى أوكرانيا والدول الأوروبية.

لذا تعتبر الدبلوماسية الروسية أن علاقات التعاون مع تركمانيا ذات أهمية خاصة ليس فقط في اطار مساعيها للاتفاق على تقسيم ثروات بحر قزوين، وإنما أيضا بسبب تأثير التعاون في مجال الطاقة على المصالح الجيوسياسية للجانبين.

وكانت تركمانيا في عام 2003 قد وقعت اتفاقية مع موسكو على توريد الغاز التركماني إلى شركة (غاز بروم) الروسية بسعر 65$ لكل ألف متر مكعب.ونصت اتفاقية التعاون على زيادة توريدات الغاز التركماني إلى روسيا والتي بدأت بتوريد 3 ـ 4 مليارات متر مكعب في عامي 2004 - 5002،إلى أكثر من 30 مليار متر مكعب خلال عام 2006.

وصولا إلى 80 - 09 مليارا في السنة اعتبارا من عام 2007، كما وتتضمن الاتفاقية إنشاء خطوط أنابيب جديدة لنقل الغاز التركماني إلى أسواق روسيا وأوكرانيا وغيرهما من البلدان،إضافة إلى إعداد المشاريع المشتركة لتوريد الغاز التركماني إلى المستهلكين في أوروبا .

وتنص الاتفاقية أيضا على الاستثمار المشترك لمكامن النفط والغاز في أراضي تركمانيا،واشتراك «غازبروم» في أعمال التنقيب والاستثمار في الشطر التركماني من الجرف القاري لبحر قزوين والضفة اليمنى من نهر جيحون حيث تم في الوقت الأخير اكتشاف مكامن كبيرة من الهيدروكربونات.

وتضمن الاتفاق الأخير تعديلا في أسعار الغاز،بعد أن طالب الرئيس التركماني برفعها،وقد وافقت موسكو على استيراد 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويا خلال ثلاث سنوات(2007- 2009) بسعر 100 دولار أميركي لألف متر مكعب،على أن يستمر توريد الغاز التركماني بسعر 65 دولارا لألف متر مكعب حتى نهاية العام الحالي.

وتنتج تركمانيا 60 مليار متر مكعب من الغاز في السنة وتستخدم 14 مليارا منها محليا،وتصدر إلى إيران 14 مليار متر مكعب.ومما لاشك فيه إن تركمانيا ـ وفق تصريحات رئيسها ـ مازالت حريصة على علاقاتها مع روسيا، وعلى تزويدها بالغاز ولا تنوي مد خط أنابيب عبر بحر قزوين لنقل الغاز إلى الأسواق العالمية بعيدا عن روسيا.

بل ان تركمانيا شاركت في تقليم أظافر الحكومة البرتقالية في أوكرانيا قبل موسكو.عندما رفض الرئيس التركماني التوقيع على الاتفاق طويل الأجل لمدة 25 عاما، لتوريد الغاز التركماني إلى أوكرانيا بدون روسيا، وطالب كييف بسداد ديونها المستحقة في اطار اتفاقية توريد الغاز التركماني لأوكرانيا،والبالغة حوالي 500 مليون دولار،نظير حصولها على الغاز الطبيعي من تركمانيا.

وفى اطار ترسيخ الدور الروسي في استثمار الطاقة بوسط آسيا،وقعت شركة «غازبروم» اتفاقية مع حكومة أوزبكستان حصلت بموجبها على حق شراء 9 مليارات متر مكعب من الغاز من أوزبكستان خلال العام الحالي بسعر 60 دولارا لكل ألف متر مكعب. وذلك بعد محادثات أجراها رئيس مجلس إدارة شركة «غازبروم» الروسية الكسي ميلير مع الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف.

ولعل إدراك الإدارة الأميركية لتأثير الغاز في تحديد النفوذ السياسي في منطقة وسط آسيا دفع واشنطن لتكثيف جهودها لإضعاف روسيا في آسيا الوسطى،وفى تركمانيا بشكل خاص،من خلال دعمها لمساعي أشخاباد إلى إيجاد مسارات جديدة لنقل الغاز التركماني إلى الأسواق الخارجية(وتضخ تركمانيا معظم إنتاجها من الغاز عبر خطوط الأنابيب المارة بروسيا الآن).

وتحاول الولايات المتحدة توفير الإمكانية لتنفيذ مشروع إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من تركمانيا إلى ميناء كاراتشي الباكستاني،إلا أن اضطراب الوضع العسكري السياسي في أفغانستان يشكل عائقا أساسيا في سبيل تنفيذ ذلك.

ويعتبر امتلاك روسيا لشبكات نقل الغاز أحد عوامل قدراتها الأساسية على اقامة تعاون مثمر مع دول وسط آسيا، وإيجاد حسر الطاقة بين الشرق والغرب،وفى هذا السياق بدأت الحكومة الروسية فى تحديث البنية التحتية لشبكة أنابيب نقل الطاقة من وإلى البلدان الآسيوية.

وتشييد خطوط جديدة فى اطار مشروع مد خط أنابيب «سيبيريا الشرقية - المحيط الهادي» يتيح تنفيذ المهمة المطروحة منذ الثمانينات ألا وهي إنشاء منظومة تشمل كل أراضي البلاد،ووفق خطط الحكومة سيتم استكمال بناء شبكة موحدة لخطوط الأنابيب في روسيا سوف تستكمل مع بداية عام 2009 .

وستوفر هذه الشبكة المتكاملة امكانية تحقيق مهمتين إستراتيجيتين هما التنمية الشاملة للمناطق، وتنويع اتجاهات تصدير المحروقاتكما تم البدء فى تنفيذ برنامج استثمار موارد الغاز في شرق سيبيريا والشرق الأقصى الروسي.

ويتوقع ان تنتج هذه المنطقة نحو 150 مليار متر مكعب من الغاز في السنة بحلول عام 2030. ويتضمن تطوير صناعة الغاز والنفط في شرق سيبريا والشرق الأقصى الروسي،إضافة إلى استخدام المواد الهيدروكربونية كوقود،إنشاء صناعة تحويلية حديثة تعتمد على النفط والغاز.

ويبدو واضحا أن الاتفاقات التي تعقدها موسكو مع دول وسط آسيا المنتجة للغاز تجعل من روسيا المستهلك المحتكر لإنتاج دول الفراغ السوفييتي السابق،وتمكنها من السيطرة على الغاز الآسيوي، في نفس الوقت الذي تلعب فيه دور احتكار المنتج مع أوروبا نظرا لتوفر إمكانات توصيل الغاز إلى المستهلكين.

وبذلك تصبح روسيا ضامنا لثبات إمداد العالم بموارد الطاقة،ليس فقط لأنها تملك ثلث احتياطيات العالم من الغاز،وتبلغ نسبة إسهامها في إنتاج العالم من الغاز 25%.

وتصل حصتها في الصادرات العالمية من الغاز نحو 30%. وإنما أيضا لأنها تمتلك أكبر شبكة لأنابيب نقل الغاز بين آسيا وأوروبا، وبعد أن يتم تدشين خط الغاز الشمال أوروبي (2013) وتطوير خط الأنابيب المعروف باسم «السيل الأزرق» لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا ستوطد شركة الغاز الروسية مواقعها في أوروبا التي تستورد حوالي نصف احتياجاتها من الغاز من وعبر روسيا.

مركز دراسات الطاقةروسيا