علاقات روسيا والجزائر تؤرق الآخرين

علاقات روسيا والجزائر تؤرق الآخرين

شهد النصف الثاني من عام 2005 الطفرة الكبيرة في أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، وبدأ يظهر في الأفق مجال جديد للتقارب بين روسيا والجزائر باعتبارهما من أكبر الدول المصدرة للنفط والغاز الطبيعي، إلى جانب احتكارهما وحدهما لنحو 45 % من واردات أوروبا من الغاز، ومن هنا بدأت موسكو تولي الجزائر اهتماما أكبر، حيث أرسل الرئيس الروسي بوتين وزير خارجيته سيرجي لافروف في زيارة خاصة للجزائر.

سلم خلالها رسالة من الرئيس بوتين للرئيس الجزائري يبدي فيها استعداد روسيا لتطوير علاقاتها مع الجزائر على أساس إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الموقع عام 2001، وفي مطلع عام 2006 أعلنت موسكو عن استعدادها لإعفاء الجزائر من كامل الديون المستحقة عليها لروسيا والبالغة 7 ,4 مليارات دولار، ولكن موسكو علقت شطب الديون على شرط أساسي وهو توقيع الجزائر على صفقة لشراء سلاح من روسيا بما يعادل قيمة الديون الجزائرية.

وقبلت الجزائر العرض الروسي، وخلال زيارة الرئيس بوتين للجزائر تم الإعلان عن إعفاء الجزائر من كل الديون المستحقة عليها لروسيا، كما تم أثناء الزيارة توقيع صفقة السلاح الروسي للجزائر، بلغت قيمتها 5 ,7 مليارات دولار، والتي أثارت حفيظة وقلق الأوروبيين وكذلك جيران الجزائر من بلدان المغرب العربي.

تفاصيل صفقة السلاح الروسي للجزائر تضاربت حولها الأقاويل من حيث قيمتها ونوعية السلاح وأيضا ردود الفعل حولها، وكتبت صحيفة لوموند الفرنسية تقول إن هذه الصفقة تخل بالتوازن العسكري والأمني بين بلدان المغرب العربي، وان الصفقة تثير تساؤلات كثيرة ليس فقط بسبب قيمتها العالية التي تبلغ نحو 5 ,7 مليارات دولار (على حد قول صحيفة لوموند) ولكن أيضا بسبب نوعية السلاح الذي يغلب عليه الطابع القتالي أكثر من الدفاعي، حيث ذكرت لوموند أن الصفقة تتضمن 40 طائرة مقاتلة من طراز ميج 29، 28، ونحو 30 طائرة من طراز سوخوي 24، و40 دبابة حديثة.

وأخطر ما في الصفقة هو ثمانية أنظمة دفاع صاروخية من طراز إس - 003، والتي رفضت موسكو بيعها لإيران وسوريا تحت ضغط من واشنطن، وقالت صحيفة لوموند إن صفقة من هذه النوعية من السلاح تخل بالقطع بالتوازن العسكري بين بلدان المغرب العربي وتدفع الدول المجاورة للجزائر لشراء سلاح من المستوى نفسه، الأمر الذي يخل بالاستقرار والأمن في شمال إفريقيا.

أيضا صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير انتقد الإنفاق الجزائري الكبير على التسليح مشيرا إلى حالة الاقتصاد الجزائري، ونصح التقرير الجزائر بإنفاق عائدات النفط والغاز على مشاريع التنمية، كما نصحها برفع يد الدولة عن الاقتصاد والإسراع في برامج الخصخصة.

ولم تمض اسابيع على تداعيات صفقة السلاح الروسي للجزائر حتى ظهر في الأفق ما هو أكثر إثارة لقلق وخوف الأوروبيين، وهو التحالف الروسي الجزائري الجديد في قطاع الغاز الطبيعي، باعتبار الدولتين هما أكبر مصدر للغاز لأوروبا حيث جرت في منتصف يونيوالماضي مباحثات بين رئيس شركة غازبروم الروسية العملاقة التي تحتكر وحدها أكثر من ربع الإنتاج العالمي من الغاز وشركة سوناطراك الحكومية الجزائرية حول التنسيق فيما بينهما حول إمداد أوروبا بالغاز، ولم يعلن عن تفاصيل هذه المباحثات التي جرت في جو من الكتمان مما أثار قلق الأوروبيين خاصة.

وصرح باولو سكاروني رئيس شركة خة الإيطالية للغاز الطبيعي لمجلة بروفيل الاقتصادية بأن روسيا والجزائر تسعيان معا لإنشاء «أوبك» جديدة للغاز، وحذر سكالوني من هذه الخطوة مذكرا بأزمة النفط التي حدثت في السبعينات بسبب أوبك النفطية، وقال إن أوروبا ستظل رهينة طيلة العقود المقبلة في مصادر الطاقة لدول من خارجها.

وخرجت الصحف الأوروبية والأميركية أيضا تحذر من التحالف الروسي الجزائري في مجال الطاقة، وكتبت صحيفة واشنطن بوست تحذر من نفوذ روسيا على أوروبا في قطاع الغاز مذكرة بالضغوط السياسية التي مارستها موسكو على أوكرانيا في فبراير الماضي برفع أسعار الغاز الروسي الذي تعتمد عليه أوكرانيا بشكل كبير.

الواقع إن الخوف والقلق لدى البعض من دخول روسيا القوي لأسواق الطاقة العالمية ليس له أي مبرر، والدليل على ذلك أن شركة غاز بروم الروسية اتفقت مع الشركة الجزائرية على أن يكون التعامل في الأسواق العالمية للغاز بالتعاقدات طويلة الأجل فقط، وهي التعاقدات التي تحدد فيها الأسعار مسبقا ولا يجوز تغييرها لسنوات طويلة، وأن الشركتين ترفضان تحرير أسعار الغاز ونظام البيع بالصفقات الفورية لأنه يجعل السوق عرضة للاضطرابات وعدم الاستقرار.

الواقع أن روسيا لا تقبل إلا التعاقدات طويلة الأجل، ولكن هدف روسيا من وراء ذلك يشكك فيه البعض، حيث صرح خبير الطاقة الألماني إنريك هيلر لمجلة بروفيل الاقتصادية قائلا «إن روسيا تخشى زيادة الضغوط التي تمارسها واشنطن على الأوروبيين وتحذيراتها لهم من التعامل معها في قطاع الطاقة.

الأمر الذي لا تضمن معه روسيا استمرار تواجدها في السوق الأوروبية للغاز، حيث قد يضطر الأوروبيون تحت الضغوط للجوء لمصادر أخرى، ولهذا بالتحديد سعت روسيا لتوطيد علاقاتها مع الجزائر كأكبر مصدر أجنبي لأوروبا للغاز بعد روسيا، وشطبت ديونها الكبيرة عليها، وربطت جيشها بصفقات كبيرة من السلاح الروسي حتى تضمن في النهاية خضوع الجزائر للتنسيق المشترك معها في سوق الغاز الأوروبية».

الحملة الأميركية الغربية ضد روسيا لا تتوقف، ومحاولة تشويه صورة روسيا وسمعتها وتخويف الدول الأوروبية منها ومن التعامل معها مستمرة، ولكن يقابل هذه الحملة عامل إيجابي كبير في صالح روسيا، وهو مدى حاجة أوروبا لمصادر الطاقة الروسية، وأيضا سياسة الرئيس بوتين الجيدة في التعامل مع الأوروبيين، وسعي روسيا الدؤوب للتقارب مع أوروبا بعد سنوات الحرب الباردة الطويلة التي باعدت بينهما، وارتباط روسيا مع الجزائر في قطاع الغاز قد يزيد من علاقات روسيا بالعالم العربي.

لكنه لا يعني وجود طموحات لدى روسيا لفرض هيمنة أو طموحات توسعية، لأن هذا لم يكن يوما من الأيام ضمن الاستراتيجية الروسية ولا حتى في زمن الاتحاد السوفييتي، فقد قدمت روسيا الكثير من الخدمات والمشاريع العملاقة للشعوب العربية دون أن تفرض سياساتها على أحد، الأمر في النهاية يثير قلق من يريدون عزل روسيا عن الآخرين.

جامعة سيبيريا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات