في الثالث عشر من يوليو المنصرم جرى في ميناء جيهان التركي حفل افتتاح خط جديد لأنابيب النفط يعرف باسم خط باكو ـ تبليسي ـ جيهان، وهو أكبر أنبوب لنقل النفط في العالم حيث سيُنقل عبره نفط بحر قزوين إلى الميناء التركي جيهان. ويبلغ طول هذا الأنبوب 1760 كيلومتراً، ويمر عبر أراضي أذربيجان وجورجيا قبل دخوله الأراضي التركية، وقد بلغت كلفته أربعة مليارات دولار دفعتها الدول وشركات النفط الغربية.

وقد كان الحضور الإسرائيلي متميزاً في هذا الحفل، فقد ضم الوفد الإسرائيلي وزيرين وعدداً من كبار المسؤولين في المجال النفطي. والمعروف أن أذربيجان وجورجيا وثيقتا الصلة بحلف الناتو ولديهما اتفاقيات تعاون عسكري مع إسرائيل منذ زمن طويل. وتعتمد إسرائيل على النفط الأذري لتغطية ما يقرب من عشرين بالمئة من حاجتها، ومن المتوقع أن تعمل على زيادة استيراداتها من هذا النفط.

وعلى الرغم من أن معظم التصريحات التي تزامنت مع حفل الافتتاح قد أشارت إلى إن النفط عبر هذا الأنبوب سيذهب إلى الأسواق الغربية، إلا أن بعضها قد ذكر بأن جزءاً منه سيضخ مباشرة إلى إسرائيل، فمد أنبوب نفط من بحر قزوين إلى ميناء جيهان التركي هو المرحلة الأولى من مشروع أكبر.

إذ تجري خلف الكواليس محادثات قد تفضي إلى عقد صفقة إستراتيجية كبيرة بين تركيا وإسرائيل قوامها تصدير الماء والنفط والغاز من تركيا إلى إسرائيل عبر أربعة أنابيب تمر تحت مياه البحر الأبيض المتوسط، وتتضمن الصفقة كذلك تصدير الطاقة الكهربائية، ومن المتوقع أن تبلغ كلفتها بضعة مئات من ملايين الدولارات.

وقد أتاح هذا المشروع لكل من تركيا وإسرائيل الفرصة لتبوؤ موقع مهم في الإستراتيجية النفطية العالمية، فتركيا قد أصبحت بلداً تمر فيه أنابيب تنقل النفط من حقول العراق الشمالية في كركوك وأخرى تنقل نفط بحر قزوين إلى ميناء جيهان.

ويجري حالياً العمل على جعل إسرائيل مرفأً لتصدير نفط بحر قزوين إلى الشرق الأقصى كالهند كالصين واليابان وكوريا الجنوبية وهذا من شأنه جعل شرق البحر الأبيض المتوسط منطقة استراتيجية يخضع أمنها إلى اعتبارات خاصة لا تسمح بوجود قوة يشك بولائها للولايات المتحدة وللدول التي لها مصالح في النفط المصدر من هذه المنطقة، وبتعبير آخر هناك اتجاه واضح نحو عسكرة هذه المنطقة.

ويرى مخططو هذا المشروع بأن تصدير نفط بحر قزوين إلى دول الشرق الأقصى عبر محطة توقف في إسرائيل أفضل من تصديره مباشرة إلى تلك الدول.

هنالك ما يستحق التأمل في تفاصيل هذا المشروع للتعرف على أهدافه، فتصدير النفط على مرحلتين ليس فيه أية جدوى اقتصادية إذ تستطيع ناقلات النفط أخذ حمولتها من ميناء جيهان مباشرة وتتجه نحو البحر الأحمر عبر قناة السويس، فَلِمَ يصدر هذا النفط إلى ميناء إسرائيلي يقع على البحر المتوسط ثم ينقل عبر أنابيب إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر ليشحن من هناك إلى الشرق الأقصى ؟

إن استراتيجية النفط في العالم، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، تخضع لرغبة الولايات المتحدة المستهلك الأكبر للنفط في العالم وصاحبة القرار الأهم في رسم السياسة الدولية، فهي ترى بأن ضمان أمن هذا الأنبوب هو ضمان وصول النفط إلى الدول الغربية فحجم ما ينقل يومياً عبر هذا الأنبوب يتجاوز المليون برميل وهو مقدار مرشح للزيادة.

فإدخال إسرائيل في هذا المشروع كأحد الوسطاء ومنحها دوراً هاماً في استراتيجية الطاقة في الشرق الأوسط تحصل عن طريقه على الكثير من المكاسب، ضمانة لأمن هذا المشروع، حيث ستقوم إسرائيل بدور العسكري الذي يحرسه في شرق البحر الأبيض المتوسط.

لقد غير هذا الأنبوب النفطي خارطة المنطقة السياسية وأوجد أرضية لتحالف استراتيجي بين أذربيجان وجورجيا وتركيا وإسرائيل، وهو تحالف جديد موالٍ للغرب، انبثق عن الترابط الإستراتيجي بين شرق البحر الأبيض المتوسط وبحر قزوين. وقد أصبحت إسرائيل بموجب ذلك ركناً هاماً في محور عسكري بريطاني ـ أميركي يخدم مصالح شركات النفط العملاقة في العالم.

لقد بدأت التأثيرات التي سوف تحصل في المنطقة بسبب هذا الأنبوب بالظهور، فالولايات المتحدة حريصة على ضمان سلامة إمدادات النفط عبره، وهي تعمل الآن على تشكيل قوة لحمايته، وتقوم بإعداد الخطط الكفيلة لإبعاد بؤر النزاعات عنه.

أن أبرز المخاوف التي تراود الدول الغربية على أمن هذا المشروع، ابتداء من بحر قزوين ووصولاً إلى ميناء إيلات، تتلخص فيما يلي:

1. النزاع الأرميني الأذري حول إقليم ناغورنا كاراباخ.

2. المشاكل العرقية في جمهورية جورجيا (الصراعات في أبخازيا وستيتا الجنوبية).

3. تصاعد الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

4. الصراع العربي الإسرائيلي خاصة وأن الأنابيب التي ستنقل النفط والماء والغاز إلى إسرائيل لن تكون بمأمن تماماً رغم أنها ستوضع خارج المياه الإقليمية السورية واللبنانية.

إن تحويل نفط وسط آسيا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وإدخال إسرائيل كمحطة إعادة تصدير إلى دول الشرق الأقصى يهدف إلى:

1. إضعاف السوق النفطي الآسيوي الأكثر استقلالية عن الغرب.

2. إضعاف الدور الروسي في آسيا الوسطى، فقد حرص المخططون للمشروع على إبعاد الأنبوب النفطي عن الأراضي الروسية، فحصة كازاخستان من نفط بحر قزوين تصدر عبر البحر نفسه وليس عبر الأراضي الروسية.

3. قطع نفط وسط آسيا عن الصين.

4. عزل إيران.

5. تقليل الاعتماد على قناة السويس كأهم ممر مائي لناقلات النفط.

أما الاستجابة الروسية لعسكرة شرق البحر المتوسط فقد بدت في التصريحات التي صدرت من عسكريين روس عن وجود خطة لبناء قاعدة بحرية روسية في ميناء طرطوس السوري الواقع على بعد ثلاثين كيلومتراً شمال الحدود اللبنانية وإحاطة هذه القاعدة بشبكة دفاع جوي لتأمين حمايتها، إضافة إلى توصل الروس والسوريين إلى اتفاق يقضي بتحديث القوة الجوية السورية وإلى وضع برنامج لإسناد القوات الأرضية.

تستطيع الولايات المتحدة من خلال النفوذ الذي حصلت عليه في بعض جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق أن تعمل على تقديم حلول للمشاكل في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، رغم الشكوك الكثيرة في قدرتها على ذلك، ولكن قدرة الولايات المتحدة محدودة جداً فيما يتعلق بتحجيم المخاطر التي قد تتأتى من البحر الأبيض المتوسط نفسه.

لقد اعتدنا على شم رائحة النفط من معظم الحروب التي جرت في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى التي أتت ببريطانيا وفرنسا إلى المنطقة ليتقاسما أشلاء الإمبراطورية العثمانية. فهل كان التدمير الكبير الذي لحق بلبنان مؤخراً ردة فعل إسرائيلية غاضبة لاختطاف اثنين من جنودها من قبل حزب الله ؟، أم كان جزءاً من خطة واسعة معدة سلفاً لاجتثاث كل مكامن الخطر المحتمل على المشروع النفطي الجديد في شرق البحر المتوسط؟

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae