تؤكد التصريحات التي نسبت إلى البابا بندكت الثاني بابا الفاتيكان و ردود فعل المسلمين عليها، اننا سوف نظل نعيش في حلقة مفرغة من الصراع وسوء الفهم المتعمد بين الغرب والإسلام. فلم تمض سوى شهور قصيرة على تداعيات أزمة الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية، حتى أثيرت الأزمة الحالية التي تؤكد اننا ندور في حلقة مفرغة.
وهذا الأمر يؤكد ان هناك أزمة محتقنة في علاقات الجانبين وان احد الأطراف وهو الغرب لا يستطيع ان يخفى عداءه واحتقاره للآخر كلما حانت له الفرصة.
أما الطرف الآخر فهو يستثمر أي فرصة تتاح له لكي يؤكد عداءه للجانب الآخر، وهو عداء نتيجة تراكم حدث خلال سنوات متعددة وفي نفس الوقت ناتج عن أسباب أخرى متعددة، ولا يعد الجانب الديني هو الأساسي فيها على عكس ما يحب ان يؤكد لنا منظرو صراع الحضارات، أي على عكس ما تبدي معظم التحليلات الغربية التي تريد ان توحي للمجتمعات الغربية ان المجتمعات الإسلامية هى مجتمعات دينية وليست مجتمعات حديثة او على الأقل تسعى إلى الدخول إلى الحداثة و ان كانت لم تتخل عن البعد الروحي لها.
وهذه التحليلات للأسف تزيد من عمق الهوة والخلاف بين الجانبين بما يؤدي إلى استمرار الصراع بينهما من جهة والى صعوبة التوصل إلى صيغة راقية للتعايش المشترك فيما بينهما.
واذا كانت هناك تحليلات عربية وإسلامية ترى ان جذر الأزمات الحالية يبدأ منذ عهد الحروب الصليبية. وهناك تحليلات أخرى تعتقد ان الجذر الحقيقي هو في فترة استعمار الغرب للمجتمعات الإسلامية في الحقبة الكولونيالية أي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
فإننا نستطيع ان نقدم وجهة نظر ثالثة تعتقد اننا وان كنا لا نستطيع تجاهل ميراث أي من هاتين الحقبتين، أي الحروب الصليبية والاستعمارية، إلا أن الأزمات المتتالية الحالية هي نتاج أسباب أخرى تكمن في السياسة الغربية المعاصرة التي تبدى عداء واضحا تجاه كل ما هو عربي وإسلامي.
وفي هذا الصدد نستطيع ان نقدم عناوين عريضة نعتقد انها صالحة للتفسير والتحليل وتلعب دورا في استمرار الحلقة المفرغة في العلاقات بين الجانبين :الحصار الاقتصادي والسياسي لدول عربية إسلامية مثل إيران ومن قبلها العراق، والتواجد العسكري المباشر في دول أخرى بما يعني عودة الاستعمار المباشر مرة أخرى إلى الدول العربية والإسلامية مثل العراق وأفغانستان، والموقف الغربي المنحاز بصورة واضحة وغير مفهومة لإسرائيل في عدوانها على كل من الشعب الفلسطيني واللبناني.
والمعاملة السيئة التي يعاني منها العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية سواء أكانوا يعيشون فيها كمهاجرين أم يصلون إليها كزوار أو سائحين، ومساعدة الدول الغربية لحكومات عربية وإسلامية تعاني شعوبها من استبدادها وهم يحملون الغرب مسؤولية جزء كبير مما يعانونه من ممارسات استبداية.
والأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها المجتمعات العربية والإسلامية والتي دفعت بعض الحكام فيها إلى النفخ في الأزمات الخاصة بالعلاقة بين الغرب والإسلام لكي ينفس أبناء هذه المجتمعات عن أزماتهم الداخلية بدلا من ان ينفسوا عنها في حركات معارضة لنفس أولئك الحكام.
ونظرة إلى المجتمعات التي شهدت المظاهرات الحاشدة والكبيرة والأكثر حدة مقارنة بأخرى شهدت حركات احتجاجية أكثر عقلانية تؤكد هذه الفرضية وما وراءها من ان هناك أسباباً متعددة تقف وراء الأزمات الخيرة وبالتالي فهي ليست أزمات أحادية الجانب.
ونتيجة إلى تعدد أسباب هذه «العلاقة الصراعية» بين الجانبين نستطيع ان نؤكد اننا سوف نشهد الكثير منها في الفترة المقبلة، لأن حل الأسباب المتعددة والمركبة لها ليس بالأمر السهل من جهة، ومن جهة ثانية ليست هناك إرادة ورغبة أكيدة لدى الجانبين من اجل التوصل إلى صيغة مرضية في علاج هذه الأزمة بصورة لا تعيد إنتاجها كل عدة أشهر بعدما كان يعاد إنتاجها في السابق كل عدة سنوات.
فالجهود التي تبذل تحت دعوى الحوار الحضاري بين الغرب والسلام اوالحوار الإسلامي المسيحي الذي يتم مع الكنيسة الكاثوليكية كلها مازالت تتخذ طابعا شكليا لم يتطور ليتخذ طابعا شعبيا حتى يؤتى ثماره في التعايش المشترك بين الجانبين.
والحكومات العربية والجهاز المعبر عن النظام العربي أو الجهد الجماعي للعرب والمسلمين مثل منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية لم تنجح في ان تجري حوارا مع الشعوب لكي تعرفهم بإنسانية العرب والمسلمين من اجل إزالة النظرة الاستشراقية الكامنة وراء رؤية الغربيين للمجتمعات الإسلامية والعربية.
كاتب مصري