مع اقتراب موعد انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة (نوفمبر المقبل)، لم يكن مستغربا أن تعلن الإدارة الأميركية عن خطة للخروج من المأزق العراقي.
ولأن أي خطة لا تنص على انسحاب ما من العراق لن تكون إلا خبرا انتخابيا، فان إعلان البيت الأبيض عن خطة لخفض عدد الجنود الأميركيين في العراق في الوقت المناسب. وفي الصياغة المناسبة يهدف أساسا على السيطرة عن الوضع قبل الانتخابات الأميركية في نوفمبر المقبل، اذ تعد أميركا، من جهة، بخفض عدد قواتها بحلول عام 2007 المقبل، وتحتفظ، من جهة أخرى، بحق التراجع عن هذا الوعد من خلال ربطه بتطور الأوضاع في العراق، والتأكيد على انه خيار واقعي.
فعلى مدى العام الماضي عارض الرئيس الأميركي بوش بشدة أي حديث عن انسحاب قواته من العراق أو حتى إعطاء جدول زمني لهذا الانسحاب مبرراً ذلك بأن خططاً من هذا القبيل ستجعل «المتمردين» يتماسكون في انتظار رحيل القوات الاميركية، ولكن الآن وبشكل مفاجئ تحدث كل من وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد والجنرال كيسي القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق عن تخفيض (واقعي ومنصف بصورة عادلة) لتلك القوات في ربيع أو صيف عام 2007.
وتبعا لهذا السيناريو الذي خططه الجنرال كيسي فإن الولايات المتحدة يمكن ان تبدأ انسحابها في غضون ربيع أو صيف 2007 ، هذا المخطط يتلاءم مع خطط الجمهوريين الانتخابية، كما انه من الواضح بأن الديمقراطيين لن يعارضوه لأنهم لا يرغبون في الظهور على أنهم الجهة التي ترغب في إطالة أمد الحرب.
في البدء هنالك عوامل واضحة لمراجعة بوش سياسته في العراق، منها ارتفاع نسبة المعارضة المحلية للحرب حيث اظهر آخر استطلاع للرأي أن نسبة 55% من الأميركيين تعتقد أن الحرب كانت فكرة سيئة بل ذهبوا إلى ابعد من ذلك بالقول إنها حرب لا يمكن الفوز بها.
إلا أن مشكلة العامل الأميركي أنه يرتهن، إلى حد بعيد، بنتائج انتخابات منتصف الولاية ـ على اعتبارها المؤشر الأولي لاتجاهات الرأي العام الأميركي في انتخابات الرئاسة المقبلة، وهي ترتهن بدورها، بأوضاع الحزب لديمقراطي، ومشكلة الحزب الديمقراطي انه يزداد تشرذما في مواقفه من الحالة العراقية.
واعتمادا على عدم الرضا الشعبي عن الحرب الأميركية في العراق، يستعد كثير من الديمقراطيين إلى استغلال هذا لشن حملة ضد الإدارة الأميركية الحالية. وعلى رغم من أن العراق لا يشكل سوى مكون واحد من حقيبة قضايا الأمن القومي الأميركي التي تضم الأمن الداخلي للولايات المتحدة والحرب على الإرهاب، ومكافحة الانتشار النووي، خصوصا إيران وكوريا الشمالية، إلا أن جميع المؤشرات توضح أن مسألة العراق سوف تحل ضيفا ثقيلا على سباق انتخابات الكونغرس.
فلقد اصطدمت وعود الإدارة بشأن العراق بالمصالح السياسية الحزبية، مع اقتراب موعد انتخابات الكونغرس النصفية المزمعة الخريف المقبل وانتخابات 2008 الرئاسية التي باتت على الأبواب وانخفاض معدلات شعبية بوش إلى حدود 30 بالمئة، فإن الأشخاص الذين تبنوا هذه الحرب سيئة الصيت يريدون التخلص منها بأسرع ما يمكن.
في الواقع ان الساسة بدأوا يفرون على عجل من حربهم مع انهم ينفون أن تكون هذه الفكرة قد خطرت حتى في بالهم. وهم يندفعون الآن للخروج من العراق بنفس السرعة المحمومة التي اندفعوا بها للدخول إليه. يحضرني هنا مثل بنغالي قديم لطالما وجده الغزاة صحيحاً على مدى آلاف السنين.
هذا المثل يقول: «هناك ألف طريق إلى البنغال، وليس هناك طريق للخروج منها»، فلذا فإن خروج أميركا من العراق لن يكون سهلا مثل دخولها، والأيام القادمة ستكون مناسبة لسقوط كل الأقنعة التي استعملتها إدارة بوش في تغطيتها لفشلها الكلي في إدارة الحروب باسم مكافحة الإرهاب.
benhadnal@yahoo.fr