بتنسيق وتزامن تعلن بضع عواصم عربية احتجاز نحو خمسين إسرائيليا بتهمة التجسس.. المحتجزون وسطاء وسماسرة ورجال أعمال وصحافيون اتخذوا من مهنهم غطاء لممارسة مهامهم التي كلفهم بها جهاز الموساد.. هؤلاء كانوا يتجسسون على المفاصل الحيوية في العالم العربي واستخدمت معلوماتهم في محاولة خلق نزاعات مذهبية وعرقية وطائفية.. وشكلوا شبكة واحدة أشرف عليها نائب رئيس الموساد.

تبدأ الاتصالات السرية والضغوط والوساطات، وتهدد إسرائيل بشن حرب على الدول التي تحتجز رعاياها.. كما تتوعد أميركا هذه العواصم بانتزاع قرار من مجلس الأمن يعتبر حكوماتها مارقة إن لم تفرج فورا عن الجواسيس .. لكن الاتحاد الأوروبي يبدو أكثر تفهما ويعلن أن من حق كل دول العالم حماية أمنها القومي من الاختراق.

الأزمة تزيد من ارتفاع أسعار البترول حتى يشارف المئة دولار للبرميل ويهوي بالدولار إلى أدنى مستوياته في عشرين عاما.. ويجتمع الستة الكبار (الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن + ألمانيا) على مستوى وزراء الخارجية ليطرحوا فكرة مبادلة الجواسيس الإسرائيليين بالأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية .

وعلى رأسهم عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي وناصر الدين الشاعر نائب رئيس الوزراء ومروان البرغوثي عضو المجلس التشريعي وأمين سر حركة فتح في الضفة إضافة إلى عشرة آلاف أسير فلسطيني بينهم نصف وزراء الحكومة وثلث أعضاء المجلس التشريعي.

هذا سيناريو يبدو مغرقا في الخيال، لكنه كان يمكن أن يكون شديد الواقعية لو أن العالم العربي يملك الشجاعة والإرادة لحل مشاكله بعيدا عن سياسة الاستجداء التي ألحقت بنا العار على مدار العقود الماضية.

فمن الناحية الواقعية هناك جواسيس بالمئات لا يشك أحد في وجودهم وتحركهم بحرية في بعض عواصم العالم العربي وأحيانا بعلم الحكومات. كما أن تل أبيب لا تستحي من الإعلان عن أنها أرسلت جواسيس لهذه العاصمة أو تلك بهدف ملاحقة واغتيال قياديين فلسطينيين.. ومجرد مراقبة البعثات الدبلوماسية أو التجارية أو المراكز الثقافية المعلن وغير المعلن عنها يمكن أن يخرج بقصص تجسس مثيرة ومقنعة وواقعية.

ومثل هذه المبادلة يمكن أن تكون منطقية فإسرائيل تعلن أن الأسرى الذين تعتقلهم إرهابيون وأعضاء في منظمات معادية لها، والجواسيس بالطبع هدفهم الإضرار بأمن الدول التي تجسسوا عليها لصالح إسرائيل.

وبدلا من تتبع الشبكات الإسرائيلية واعتقال أعضائها ليكونوا ورقة ضغط على الحكومة الإسرائيلية، يقبع العالم العربي في زنزانة من اللا مبالاة والاستسلام للواقع المتردي وقبوله كما هو، وكأنه غير معني بما يحدث.. فالمقاومون يدفعون الثمن وحدهم، فيما يتفنن الآخرون في انتحال الأعذار التي يحاولون بها حفظ ماء وجوههم التي تراق في اليوم مئة مرة.

أي مسؤول عربي يمكن أن تقابله يبادرك بصب اللعنات على النظام العربي الرسمي الضعيف والمهترئ ويشكو لك من الزمان الذي جعله صقرا وحيدا معزولا لا يجد من يعاونه على تحقيق آماله في رفعة شأن هذه الأمة..

أحيانا يحس الإنسان أن النظام الرسمي العربي كائن خرافي لا وجود له.. وليس حاصل جمع إرادة الحكومات التي تبدو كل منها منفردة تزأر داخل عرينها وتدفن رأسها في الرمال إذا اجتمعت تحت سقف الجامعة.

قديما هجا شاعرٌ الحجاج بن يوسف الثقفي قائلا:

أسد علي وفي الحروب نعامة

فضخاء تنفر من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة في الوغى

أم كان قلبك في جناحي طائر.

أليس البيتان أصدق توصيف لواقع الحال في العالم العربي

magdishendi@hotmail.com