هنالك من يمارس في لبنان دوراً مشبوهاً ومدروساً، في استدعاء حزب الله الخارج من مواجهة بطولية وقاسية ضد إسرائيل، لإدخاله في «معمعان» اللعبة السياسية القميئة، و«تغطيسه» في متاهاتها الشائكة والمعقدة والقاتلة، وهو الحزب الوحيد الذي بقي طوال السنوات الماضية متعففاً عنها، رافضاً الدخول في ألاعيبها الممجوجة، ومترفعاً عن امتيازاتها الموزعة بين الطوائف والمذاهب، والمناطق والأحزاب.
وقد قدمت له الكثير من العروض للدخول في «نعيم هذه اللعبة»، إلا أن قيادة الحزب فضّلت الابتعاد والنأي بنفسها عنها وعن مغانمها، حيث لم يدخل في توزيع الحصص، ولم يزاحم على الوزراء والوظائف لجمهوره، بل كان الحزب يعتبر دوماً أن معركته الحقيقية هي في مواجهة العدو الإسرائيلي في الخارج والداخل، وبكل الألوان.
سياسة التعفف التي لجأت إليها قيادة المقاومة منذ اللحظة الأولى داخل لبنان، ليست عن عبث بل لها أهدافها الاستراتيجية الفائقة الذكاء، وهي ليست تهرباً من الواقع، لأن جمهورها جزء أساسي من الشعب اللبناني، وله احتياجاته الضرورية، إلا أن هذه القيادة فضّلت اعتماد سياسة الاستفادة من أخطاء وتجارب الأحزاب التي سبقتها في هذا المضمار، وابتعدت عن الحسابات الضيقة في التعامل مع الواقع.
ولهذا وجدت المقاومة هذا الجمهور الواسع الذي يؤيدها ويقف إلى جانبها، لا بل استطاعت أن تفرض احترام الخصوم الذين لا يؤيدونها في الداخل اللبناني المؤلف من فسيفساء طائفية معقدة الأهواء والمصالح والغايات، كما استطاعت أن تقيم علاقة فيها كل الاحترام والتقدير مع كل المشارب والفئات الاجتماعية والطائفية، خالية من العقد.
فيها الكثير من الوضوح والصراحة، إلا أن بعض هذه الأطراف في الداخل بالتنسيق مع الخارج لم يرق له هذه القوة النظامية المنيعة المتفرغة فقط لمواجهة العدو الخارجي، المتمثل بإسرائيل، والزاهدة جداً بامتيازاتها بالداخل، بدأ يجهّز للانقضاض على هذا التيار الذي قدّم أوراق اعتماده،بأنه غير طامح لأي منصب، ولا يريد مزاحمة أحد على حصصه، وأنه يعترف باللعبة الداخلية ويراعي قواعدها كما هي، ولا ينوي إقامة لا جمهورية إسلامية ولا دينية.
وأنه ينزع عن نفسه صفة الدولة داخل الدولة، ولم يترك هذا البعض أي تهمة سيئة لرشق المقاومة بها، وقد وصلت ذروة الاجتياح السياسي ضد المقاومة بالنداء السابع للبطاركة الموارنة، الذين شنّوا هجوماً قاسياً ضد فئة داخل فئة، وحاول أصحاب هذا النداء تجنّب تسمية هذه الفئة بالاسم وتصويرها على أنها فئة قليلة العدد، تقود طائفتها إلى الهلاك، وأن أعمالها حمّلت البلد أوزاراً فاقت طاقة أهله وأنها تتلاعب بمصيره ومصير شعبه.
وقد تجنّب النداء توجيه إدانة لإسرائيل، التي ساهمت بكل هذا الدمار والخراب الذي لحق بلبنان وأهله، وهذا ما استدعى أحد الوزراء المسيحيين السابقين إلى القول (إن الخيانة لم تعد وجهة نظر في لبنان)، فيما انبرى تجمع 14 مارس إلى الاصطفاف في اليوم التالي وإصدار بيان انقلابي، كما وصفه أحد المعلقين، وإمعاناً في تعميق حدة الخلاف داخل البلد، وتأليب الرأي العام ضد المقاومة التي خرجت من معركتها منتصرة باعتراف قادة إسرائيل أنفسهم.
ولكن كما يقال على من تقرأ مزاميرك يا داوود. الحملة مستمرة للنيل من المقاومة، ويختلط الحابل بالنابل، فيما قيادة المقاومة تحاول ضبط النفس والترفع عن الحملات الاستفزازية والتحريضية، إلا أن هذا البعض مصرٌّ بشكل متعصب على أهدافه المشبوهة منذ أن تباهى بإسقاطه القداسة عن المقاومة. هذا الموقف الذي اُعتُبر بمثابة الاستدعاء الرسمي للاجتياح الإسرائيلي الوحشي ضد الآمنين في لبنان، وضد المقاومة التي قاتلته بشراسة، وأنزلت في صفوفه المزيد من الخسائر. والأهم أنها أسقطت غطرسته التي أكدها موشيه أرينز.
كنّا ننتظر أن ينقضّ هذا البعض على المقاومة بعد مرور الأربعين، أي بعد أن يتم دفن الضحايا، إلا أن هذا البعض بالتحديد داخل لبنان، بدأ انقضاضه قبل سحب الأشلاء من تحت الركام، لهذا لا نتردد في القول بأن الخيانة أصبحت وجهة نظر، والدليل ما نشهده على الساحة اللبنانية. وأن المقاومة تعففت في الداخل يبدو أن هذا البعض نجح في استدراجها وتغطيسها في المستنقع الطائفي اللبناني البغيض، وذلك فقط للنيل منها.